وقال الشيخ سيد قطب:
تقديم لسورة القلم
لا يمكن تحديد التاريخ الذي نزلت فيه هذه السورة سواء مطلعها أو جملتها. كما أنه لا يمكن الجزم بأن مطلعها قد نزل أولا , وأن سائرها نزل أخيرا - ولا حتى ترجيح هذا الاحتمال. لأن مطلع السورة وختامها يتحدثان عن أمر واحد , وهو تطاول الذين كفروا على شخص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقولهم: إنه مجنون!
والروايات التي تقول: إن هذه السورة هي الثانية في النزول بعد سورة العلق كثيرة , ومن المتفق عليه في ترتيب المصاحف المختلفة أنها هي السورة الثانية ; ولكن سياق السورة وموضوعها وأسلوبها يجعلنا نرجح غير هذا. حتى ليكاد يتعين أنها نزلت بعد فترة من الدعوة العامة , التي جاءت بعد نحو ثلاث سنوات من الدعوة الفردية , في الوقت الذي أخذت فيه قريش تدفع هذه الدعوة وتحاربها , فتقول عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تلك القولة الفاجرة ; وأخذ القرآن يردها وينفيها , ويهدد المناهضين للدعوة , ذلك التهديد الوارد في السورة.
واحتمال أن مطلع السورة نزل مبكرا وحده بعد مطلع سورة العلق. وأن الجنون المنفي فيه: (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) . . جاء بمناسبة ما كان يتخوفه النبي (صلى الله عليه وسلم) على نفسه في أول الوحي , من أن يكون ذلك جنونا أصابه. . هذا الاحتمال ضعيف. لأن هذا التخوف ذاته على هذا النحو ليست فيه رواية محققة , ولأن سياق السورة المتماسك يدل على أن هذا النفي ينصب على ما جاء في آخرها من قوله تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون: إنه لمجنون) . . فهذا هو الأمر الذي افتتح السورة بنفيه , كما يتبادر إلى الذهن عند قراءة السورة المتماسكة الحلقات.