لمن يرسل كلامه ولا يقيده بالاستثناء ، الذي هو سبب النجاح
والظفر بالحاجة ، ومخرج من المآثم ، ومؤمّن درك العقوبة.
وقد زجر الله نبيه ، صلى الله عليه وسلم ، وأدبه ، وعلمه أن لا
يقول لفعل شيء هو فاعله إلا مقرونًا بالاستثناء ، وكذلك بسائر
الأنبياء فعل - إن شاء الله - وعاقبهم على تركه.
فقد روي أن سليمان بن داود - صلى الله عليه - قال: لأطوفنّ
الليلة على مائة امرأة ، تحمل كل واحدة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله ،
ولم يستثن ، فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة ، حملت بشق غلام . فقال
نبينا ، صلى الله عليه وسلم:"لوكان استثنى ، لكان كما قال".
قوله: (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(20) ، نظير قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) ، إذ ليس للجنة فعل في الإصباح ، وإنما هو على سعة اللسان.
قوله: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ(28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) ،
دليل على أن الشيء المتقرب به إلى الله - جل الله -
فرضًا كان ، أوندبًا إذا فرط فيه تلوفي فنفع ، إذ تسبيح القوم بعد
وقته - الذي كان موضعه - نفعهم تداركه.
ودليل على أن المذنب الظالم لنفسه محتاج - مع ربه - إلى الاعتراف
بذنبه ، وسوء صنيعه بلسانه ، وإن كان نادمًا عليه بقلبه ، وكذا كان
نبينا - صلى الله عليه - يقول في دعاء الاستفتاح:"ظلمت نفسي ،"
واعترفت بذنبي"."
فكان هذا الاعتراف من تمام التوبة ، وتحقيق الاستكانة ، والتواضع.
، وكان بعض أهل العلم يزعم: أن التسبيح يوضع موضع
الاستثناء فيقع ، ويحتج بهذه الآية ، لأن القوم عيبوا بترك
الاستثناء ، فنبههم عليه أوسطهم ، بلفظ"التسبيح"كما ترى فقالوا
هم -: (قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا) ، ولم يقولوا: (إن شاء اللَّه) .
وهو - لعمري - محتمل لما قال ، غير أني لا أعرف أحدًا من الفقهاء
ذكره ، والله أعلم كيف هو.