الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ... (8) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ}
يَقُولُ: ارْجِعُوا مِنْ ذُنُوبِكُمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَإِلَى مَا يُرْضِيهِ عَنْكُمْ
{تَوْبَةً نَصُوحًا}
يَقُولُ: رُجُوعًا لَا تَعُودُونَ فِيهَا أَبَدًا.
عَنْ عُمَرَ، قَالَ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ: أَنْ تَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ لَا تَعُودَ فِيهِ، أَوْ لَا تُرِيدَ أَنْ تَعُودَ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: يَسْتَغْفِرُونَ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ الصَّادِقَةُ، يَعْلَمُ أَنَّهَا صِدْقُ نَدَامَةٍ عَلَى خَطِيَّتِهِ، وَحُبُّ الرُّجُوعِ إِلَى طَاعَتِهِ، فَهَذَا النَّصُوحُ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ الْأَمْصَارِ خَلَا عَاصِمٍ: {نَصُوحًا} بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْتِ التَّوْبَةِ وَصِفَتِهَا، وَذُكِرَ عَنْ عَاصِمٍ أَنَّهُ قَرَأَهُ: (نُصُوحًا) بِضَمِّ النُّونِ، بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَصَحَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ نُصُوحًا.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى الصَّفَةِ لِلتَّوْبَةِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتُكُمْ}
يَقُولُ: عَسَى رَبُّكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ يَمْحُوَ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِكُمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْكُمْ {وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}
يَقُولُ: وَأَنْ يُدْخِلَكُمْ بَسَاتِينَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ} مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
{وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}
يَقُولُ: يَسْعَى نُورُهُمْ أَمَامَهُمْ
{وَبِأَيْمَانِهِمْ}
يَقُولُ: وَبِأَيْمَانِهِمْ كِتَابُهُمْ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، {وَبِأَيْمَانِهِمْ} يَأْخُذُونَ كِتَابَهُمْ فِيهِ الْبُشْرَى.
{يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا}