ومن لطائف ونكات تفسير حدائق الروح والريحان:
سورة التحريم
{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) }
فإن قلت: هل كفَّر رسول الله لذلك؟
قلت: عن الحسن البصري أنه لم يكفر؛ لأنه كان مغفورًا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين.
وعن مقاتل: أنه أعتق رقبة في تحريم مارية وعاودها؛ لأنه لا ينافي كونه مغفورًا أن يكفر، فهو والأمة سواء في الأحكام ظاهرًا.
{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) }
فإن قلت: كيف أثبت الخيرية لهن بالصفات المذكورة بقوله: {مُسْلِمَاتٍ} إلى
آخره مع اتصاف أزواجه - صلى الله عليه وسلم - بها أيضًا؟
قلت: المراد خيرًا منكن في حفظ قلبه ومتابعة رضاه مع اتصافهن بهذه الصفات.
وليس في الآية ما يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يطلق حفصة، وعلى أن النساء خيرًا منهن، فإن تعليق الطلاق للكل لا ينافي تطليق واحدة، وما علق بما لم يقع لا يجب وقوعه. يعني: أن هذه الخيرية لما علقت بما لم يقع لم تكن واقعة في نفسها، وكان الله عالمًا بأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن طلقهن .. أبدله خيرًا منهن، تخويفًا لهن، كقوله تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} ، فإنه إخبار عن القدرة وتخويف لهم، لا أن في الوجود من هو خير من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - .
(فائدة)
قيل: كل {عَسَى} في القرآن واجب إلا هذا. وقيل: هو أيضًا واجب، ولكن الله علقه بشرط، وهو: التطليق، ولم يطلقهن.
وفي"فتح الرحمن": {عَسَى} تكون للوجوب في ألفاظ القرآن إلا في موضعين:
أحدهما: في سورة محمد {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ} ؛ أي: علمتم أو تمنيتم.
والثاني: هنا، ليس بواجب؛ لأن الطلاق معلق بالشرط، فلما لم يوجد الشرط .. لم يوجد الإبدال، انتهى.
{لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) }
قال الزمخشري.
فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟