يا طالب معرفة تسبيح أهل السماوات والأرض: اعلم أنهم يسبحون الله بألسنة أحوالهم كلهم على قدرهم مما وصل إليه [من] رشاشة نور جوده الذي صار به موجوداً، وظهر من كتم العدم إلى صحراء الشهادة، وبه قائماً، وبه حياً، وبه باقياً، وبه عارفاً، واقرأ ما يقول الله تعالى في كلامه القديم، وكتابه الكريم - متدبراً مرتلاً لتفهم حقيقة تسبيح ما في السماوات وما في الأرض حيث يقول:
{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [التغابن: 1] ، يعني: ينزهونه عن أن يكون في السماوات والأرض؛ لأنه كان قبل خلق السماوات والأرض، وينزهونه عن أن يعزب عنه مثقال ذرة في الأرضين السفلى والسماوات العلى، {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} [سبأ: 2] {لَهُ الْمُلْكُ} ، في الشهادة خلقاً، {وَلَهُ الْحَمْدُ} [التغابن: 1] ، في الملكوت حقاً، يعني: مع كمال قدرته ما تصرف في ملكه إلا حكمة وعدلاً، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التغابن: 1] ، فيا أيها السالك ينبغي أن تعلم أنه خلق في أرض بشريتك قوى قابلة مظاهرة لصفة ربوبيته، وخلق سماوات روحانيتك قوى فاعلة مظاهر الصفة فاعلية، وألّف ازدواجاً بين السفليات والعلويات بحكمته؛ ليظهر لطيفة مجتمعة فيها القوى القابلة والفاعلة لتكون خلفته لذاته وصفاته وفي أرضه وسمائه، وسَبَّحت له بجميع الألسنة والقوى المتفرقة.
واعلم أن إشارته في قوله: {لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ} إشارة إلى الملك والملكوت؛ لأن موجب إظهار الملك هو الحمد، والحمد ملكوتي، والحميد جبروتي، والذات التي [لها] صفة الحميد لا هويته، وفي كشف هذا السر يفتح باب إلى حد القرآن [فسددته] .