ومن لطائف ونكات الإتقان في علوم القرآن للسيوطي:
سورة المنافقون
{قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) }
فالجملة الوسطى احتراس، لئلّا يتوهم أنّ التكذيب مما في نفس الأمر.
قال في «عروس الأفراح» : فإن قيل: كلّ من ذلك أفاد معنى جديدا، فلا يكون
إطنابا. قلنا: هو إطناب لما قبله من حيث رفع توهّم غيره، وإن كان له معنى في نفسه.
{يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) }
(فصل من الأنواع المصطلح عليها في علم الجدل: السّبر والتقسيم.
ومنها: القول بالموجب، قال ابن أبي الإصبع: وحقيقته ردّ كلام الخصم من فحوى كلامه.
وقال غيره: هو قسمان:
أحدهما: أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم فيثبتها لغير ذلك الشيء، كقوله تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ} الآية. فـ {الْأَعَزُّ} وقعت في كلام المنافقين كناية عن فريقهم، و {الْأَذَلَّ} عن فريق المؤمنين، وأثبت المنافقون لفريقهم إخراج المؤمنين من المدينة، فأثبت الله في الردّ عليهم صفة العزّة لغير فريقهم، وهو الله ورسوله والمؤمنون، وكأنه قيل: صحيح ذلك، ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل، لكن هم الأذل المخرج، والله ورسوله الأعزّ المخرج.
والثاني: حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده ممّا يحتمله بذكر متعلّقه.
ولم أر من أورد له مثالا من القرآن، وقد ظفرت بآية منه، وهي قوله تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} [التوبة: 61] .