(فَصْلٌ: مِنْ رَوَائِعِ النُّكَتِ وَاللطَائِفِ فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ)
قَالَ الإِمَامُ القَصَّابُ:
سورة الجمعة
قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) ،
من الكلام الذي خوطب الناس بباطنه دون ظاهره -
إذ معناه: أنهم حملوا العمل في التوراة فلم ينتهوا إليه، ونبذوه وراء
ظهورهم، لا أنهم أمروا بحمل المكتوب من التوراة، وهذا دليل على
سعة اللسان، ففيه حجة في ضرب الأمثال، وبيان ضرب الأمثال
مخالف للقياس، إذ لا يشك أحد أن حمل هؤلاء التوراة إذ لم يعملوا
بما فيها يشبه حمل الحمار الكتب لا يعلم ما فيها، فلم يفعلوا ذلك،
من أجل أن الحمار يحمل الكتب، ولا الحمار حمل الكتب من أجل أن
في الناس من يحمل كتابًا لا يعمل بما فيه، كما يزعم القائسون: أن
الحنطة حرم التفاضل فيها لعلة القوت والنبات والكيل، فيحمل كل ما
كان ذلك فيه - في التحريم - عليه، فليس لاستشهادهم بهذه الآية
وجه.
فإن سامونا القول بالقياس، فليدلونا على أن الله - جل جلاله -
حرم التفاضل في الحنطة لما ذكرناه من عللها، لا أنه ابتدأ تحريم ذلك على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - كيف أراد
ولا يجعلوا توهمهم حجة علينا.
المعتزلة:
وقوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(5) ،
حجة على المعتزلة والقدرية، إذ لو كان كل مبعوث إليه رسولاً، ومدلول على طريق الهداية يقدر بنفسه - أن يهتدي من غير أن يهديه الله ما كان في
ذلك فائدة، ولا كان عليهم عقوبة، وهذا - لا محالة - إخبار عن
قوم حمّلوا التوراة، وبعث إليهم موسى - صلى الله عليه - فهل كان
بقي عليهم بعد بعثة الرسول، وإنزال الكتاب إلا المعونة من الله في
السلك بهم سبيل ما أريد منهم، أفليس بينًا لا إشكال دونه، أن هذا