(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) }
(فصل التعفف عن مال الحكام)
رأيت خلقاً من العلماء والقصاص تضيق عليهم الدنيا فيفزعون إلى مخالطة السلاطين لينالوا من أموالهم، وهم يعلمون أن السلاطين لا يكادون يأخذون الدنيا من وجهها، ولا يخرجونها في حقها.
فإن أكثرهم إذا حصل له خراج ينبغي أن يصرف إلى المصالح وهبه لشاعر.
وربما كان معه جندي يصلح أن تكون مشاهرته عشرة دنانير فأعطاه عشرة آلاف.
وربما غزا فأخذ ما ينبغي أن يقسم على الجيش فاصطفاه لنفسه.
هذا غير ما يجري من الظلم في المعاملات.
وأول ما يجري على ذاك العالم أنه قد حرم النفع بعلمه، وقد رأى بعض الصالحين رجلاً عالماً يخرج من دار يحيى بن خالد البرمكي فقال: أعوذ بالله من علم لا ينفع.
كيف؟ ألم تر المنكرات ولا تنكر، وتتناول من طعامهم الذي لا يكاد يحصل إلا بظلم فينطمس قلبك وتحرم لذة المعاملة للحق سبحانه، ثم لا يقدر لك أن يهتدي بك أحد. بل ربما كان فعل هذا سبباً لإضلال الناس وصرفهم عن الاقتداء به، فهو يؤذي نفسه ويؤذي أميره، لأنه يقول: لولا أنني على صواب ما صحبني ولأنكر علي.
ويؤذي العوام تارة بأن يروا أن ما فيه الأمير صواب، وتارة بأن الدخول عليه والسكوت عن الإنكار جائز.
أو يحبب إليهم الدنيا، ولا خير والله في سعة من الدنيا ضيقت طريق الآخرة.
وأنا أفتدي أقواماً صابروا عطش الدنيا في هجير الشهوات زمان العمر حتى رووا يوم الموت من شراب الرضى، وبقيت أذكارهم تروي فتروِي صدأ القلوب وتجلو صداها.
هذا الإمام أحمد يحتاج فيخرج إلى اللقاط ولا يقبل مال سلطان.
هذا إبراهيم الحربي يتغذى بالبقل ويرد على المعتصم ألف دينار.
هذا بشر الحافي يشكو الجوع فيقال له يصنع لك حساء من دقيق فيقول: أخاف أن يقول الله لي هذا الدقيق من أين لك؟.
بقيت والله أذكار القوم، وما كان الصبر إلا غفوة يوم.
ومضت لذات المترخصين وبليت الأبدان، ووهن الدين.
فالصبر الصبر يا من وفق، ولا تغبطن من اتسع له أمر الدنيا.
فإنك إذا تأملت تلك السعة رأيتها ضيقاً في باب الدين.
ولا ترخص لنفسك في تأويل، فعمرك في الدنيا قليل:
وسواء إذا انقضى يوم كسرى ... في سرور ويوم صابر كسره
ومتى ضجت النفس لقلة صبر فاتل عليها أخبار الزهاد، فإنها ترعوي وتستحي وتنكسر إن كانت لها همة أو فيها يقظة.