[من روائع الأبحاث]
وقال ابن فورك:
سورة الجمعة.
مسألة إن سأل عن قوله سبحانه: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ
الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) . إلى آخر السورة.
فقال: ما الأمي؟ وما وجه النعمة في جعل النبوة في أمي؟ وما الذي ينبغي
لطالب الحكمة أن يبدأ به؟ وهل تالي القرآن من غير أن يفهمه كمثل الحمار يحمل
أسفارا؟ وما الأميون؟ وما الأسفار؟ وما معنى (يُزَكِّيهِمْ) وما الزعم؟ وما
الولي؟ وما معنى (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) ، ولم قيل (فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) وما
معنى (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) ؟
الجواب:
الأمي: المستحق للنسبة إلى ولادة الأم في أنه لا يحسن الكتابة، وذلك لأنها
تكون بالاستفادة والتعليم دون الحال التي يجري عليها المولود.
وجه النعمة في جعل النبوة في أمي، موافقته ما تقدمت البشارة في كتب الأنبياء
السالفة، مع أنه أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة، ومع أن
حاله مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم، وذلك أقرب إلى مساواته لو كان ذلك
ممكنا فيه.
الذي ينبغي لطالب الحكمة أن يبتدئ به النظر في مفهوم القرآن، حتى يفهم كل آية
منه، بما لو أراد أن يترجم عنه بغير تلك العبارة أمكنه ذلك، ثم متضمن كل آية مما
يدل عليه من غير تصريح به، ثم تحصيل ما يعمل عليه في [الاجتبا والاتقا] .
ويكون من الجميع على فقه في مقصده بالدليل عليه.
فإن القرآن إن كان طالبا لعلمه - وقد تقدم حفظه - ليكون ذلك طريقا إلى علم ما
فيه، فإن أعرض عن ذلك إعراض من لا يحتاج إليه كان هذا المثل لاحقا به.
(القدوس) المستحق للتعظيم بتطهير صفاته عن صفة نقص.
الأميون: العرب عن مجاهد.
(وَيُزَكِّيهِمْ) يطهرهم من دنس الكفر، بأن يجعلهم أزكياء ويعلمهم الكتاب.
(وَالْحِكْمَةَ) أي السنة عن قتادة.
(لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي لمن تأمله أنه ذهاب عن الحق وطريق الرشد.
(وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) كل من بعد الصحابة عن مجاهد.
وقيل: هم العجم عن ابن عمر.
والأسفار الكتب عن ابن عباس.
وقيل: (وَيُزَكِّيهِمْ) بالدعاء إلى طاعة الله التي يقع معها الإجابة.
وقيل: المعنى بئس القوم هذا مثلهم.
الزعم: قول عن ظن أو علم. لذلك صار من أخوات ظن لما في باب
الظن والعلم.
الولي: الحقيق بالنصرة التي يوليها، وذلك على وجهين لحاجة من أضيف إليه، أو
حاجة من المطيع لمن أضيف إليه، فالله ولي المؤمنين؛ لأنه ينصره ويعينه في طلبه.
معنى (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي بما قدمت أيديهم بما لا يرجعون فيه إلى ثقة
بالتكذيب بالنبي، والتحريف لصفته التي في التوراة.
قيل (فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) بالفاء، وسواء فروا منه أو لم يفروا منه.
في إنه ملاقيكم للمبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه؛ لأنه إذا كان الفرار
بمنزلة السبب في ملاقاته، فلا معنى للتعرض له لأنه [لا] يباعد منه.
(فَاسْعَوْا إِلَى) أي فامضوا مسرعين إليها غير متثاقلين عنها عن قتادة.
وقيل: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء. عن الضحاك.
(فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) إذن ورخصة عن الحسن.
(وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) بعمل الطاعة، والدعاء إليه (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا)
بالحمد على إحسانه، والشكر على نعمه، والتعظيم له بصفاته.
قيل: التجارة التي رأوا، عير طعام قدمت للمدينة، بعد ما أصابهم مجاعة عن.
الحسن.
وقيل: اللهو المزامير عن جابر بن عبد الله.
وقيل: الطبل عن مجاهد.
(قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ) من الثواب على سماع الخطبة، وحضور الموعظة(خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ
وَمِنَ التِّجَارَةِ).
وقيل: دلت الآية على أمرين:
على صحة النبوة بصدق الخبر على الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وبطلان ما ادعوا
أنهم أولياء لله.
(وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) أي ليس يفوتهم بترك البيع شيء من رزق الله.
والتقدير (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا) وإنما قيل: إليها لأنها كانت أهم إليهم. انتهى انتهى {تفسير ابن فورك، 4/} ...