(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
سورة الصف
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) }
وقد يأتي الاستفهام للتشويق وذلك عندما يقصد المتكلم إلى ترغيب المخاطب واستمالته، كما في الآيات الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (الصف: 10) {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ} (آل عمران: 15) {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى} (النازعات: 15، 16) {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} (النازعات: 18، 19) . فلا يخفى عليك ما في الآيات الكريمة من ترغيب للمخاطب وتشويق له إلى معرفة الجواب، فهو يفكر فيه وينشغل به وينتظره في ترقب وتطلع، وعندئذ يأتي الجواب فيقع في نفس المخاطب موقعًا حسنًا؛ لأنه جاء والنفس مهيّئة له ومتلهفة إلى معرفته. ومن المعاني التي يفيدها الاستفهام: التعظيم كما في قول المتنبي:
من للمحافل والجحافل والسرى ... فقدتْ بفقدك نيّرًا لا يطلع
فهو يريد تعظيم المخاطب، والإشادة بفضله وأن المحافل وهي المجامع والجحافل وهي الجيوش والسرى أي السير ليلا، والزحف إلى الأعداء؛ هذه الأمور قد فقدت بفقده نيرًا لا يطلع
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ... (14) }
ونظير ذلك في دخول الكاف على مشبه به مقدر ما جاء في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} (الصف: 14) إذا لا شبه بين كون المسلمين أنصارًا لله، وبين قول عيسى، وإنما الشبه بين كونهم أنصار للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم، وكون الحواريين أنصارًا لعيسى؛ إذن فوجب أن يكون التقدير: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصارًا لعيسى ابن مريم حين قال لهم: من أنصاري إلى الله. انتهى انتهى {علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع، لمجموعة من العلماء} ...