الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ... (8) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ {وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}
يَقُولُ: وَتَعْدِلُوا فِيهِمْ بِإِحْسَانِكُمْ إِلَيْهِمْ، وَبِرِّكُمْ بِهِمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا: الَّذِينَ كَانُوا آمَنُوا بِمَكَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا، فَأَذِنَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِبِرِّهِمْ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ لَهَا أُمٌّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالَ لَهَا قُتَيْلَةُ ابْنَةُ عَبْدِ الْعُزَّى، فَأَتَتْهَا بِهَدَايَا وَصِنَابٍ وَأَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَقَالَتْ: لَا أَقْبَلُ لَكِ هَدِيَّةً، وَلَا تُدْخِلِي عَلَيَّ حَتَّى يَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} إِلَى قَوْلِهِ: {الْمُقْسِطِينَ} .
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهَا مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ؛ قَالَ: وَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بَعْدُ بِالْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذَا قَدْ نُسِخَ، نَسَخَهُ الْقِتَالُ، أُمِرُوا أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِمْ بِالسُّيُوفِ، وَيُجَاهِدُوهُمْ بِهَا، يَضْرِبُونَهُمْ، وَضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ أَجَلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، إِمَّا الْمُذَابَحَةُ، وَإِمَّا الْإِسْلَامُ.