الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ... (1) }
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ يَعْنِي أَنْصَارًا.
وَقَوْلُهُ: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: تُلْقَوْنَ إِلَيْهِمْ مَوَدَّتَكُمْ إِيَّاهُ. وَدُخُولُ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: {بِالْمَوَدَّةِ} وَسُقُوطُهَا سَوَاءٌ، نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ: أُرِيدُ بِأَنْ تَذْهَبَ، وَأُرِيدُ أَنْ تَذْهَبَ سَوَاءٌ، وَكَقَوْلِهِ: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} وَالْمَعْنَى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ إِلْحَادًا بِظُلْمٍ؛ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
فَلَمَّا رَجَتْ بِالشُّرْبِ هَزَّ لَهَا الْعَصَا ... شَحِيحٌ لَهُ عِنْدَ الْإِزَاءِ نَهِيمُ
بِمَعْنَى: فَلَمَّا رَجَتِ الشُّرْبَ.
{وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ}
يَقُولُ: وَقَدْ كَفَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوهُمُ أَوْلِيَاءَ بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْحَقِّ، وَذَلِكَ كُفْرُهُمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ.
وَقَوْلُهُ: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يُخْرِجُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِيَّاكُمْ، بِمَعْنَى: وَيُخْرِجُونَكُمْ أَيْضًا مِنْ دِيَارِكُمْ وَأَرْضِكُمْ، وَذَلِكَ إِخْرَاجُ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ مِنْ مَكَّةَ.
وَقَوْلُهُ: {أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} مِنْ دِيَارِكُمْ، لَأَنْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ.