[من روائع الأبحاث]
من فوائد ولطائف ابن القيم:
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ... (9) }
(فائدة)
كان عبد الرحمن بن عوف - أو سعد بن أبي وقاص - يطوف بالبيت وليس له دأب إلا هذه الدعوة: رب قني شح نفسي، رب قني شح نفسي.
فقيل له: أما تدعو بغير هذه الدعوة؟
فقال: إذا وقيت شح نفسي فقد أفلحت.
والفرق بين الشح والبخل أن الشح هو شدة الحرص على الشيء، والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه.
والبخل منع إنفاقه بعد حصوله وحبه وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله.
فالبخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل، والشح كامن في النفس، فمن بخل فقد أطاع شحه، ومن لم يبخل فقد عصى شحه ووقي شره، وذلك هو المفلح {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} .
[فصل: الفرق بين الموجدة والحقد]
والفرق بين الموجدة والحقد: أن الوجد الإحساس بالمؤلم والعلم به وتحرك النفس في رفعه فهو كمال. وأما الحقد فهو إضمار الشر وتوقعه كل وقت فيمن وجدت عليه فلا يزايل القلب أثره.
وفرق آخر وهو أن الموجودة لما ينالك منه، والحقد لما يناله منك، فالموجودة وجود ما نالك من أذاه، والحقد توقع وجود ما يناله من المقابلة فالموجودة سريعة الزوال والحقد بطيء الزوال، والحقد يجيء مع ضيق القلب واستيلاء ظلمة النفس ودخانها عليه، بخلاف الموجدة فإنها تكون مع قوته وصلابته وقوة نوره وإحساسه.
(فصل)
قال أبو العباس بن العريف - رحمه الله:
"وقيل: المحبة إيثار المحبوب على غيره"
وهذا الحد أيضاً من جنس ما قبله، فإن إيثار المحبوب على غيره موجب المحبة ومقتضاها، فإذا استقرت المحبة في القلب استدعت من المحب إيثار محبوبه على غيره، وهذا الإيثار علامة ثبوتها وصحتها، فإذا آثر غير المحبوب عليه لم يكن محباً له، وإن زعم أنه محب فإنما هو محب لنفسه ولحظه ممن يحبه، فإذا رأى حظاً آخر هو أحب إليه من حظه الذي يريده من محبوبه آثر ذلك الحظ المحبوب إليه.
فهذا موضع يغلط فيه الناس كثيراً إذ أكثرهم إنما هو يحب لحظِّه ومراده، فإذا علم أنه عند غيره أحب ذلك الغير حب الوسائل لا حباً له لذاته، ويظهر هذا عند حالتين:
إحداهما: أنه يرى حظاً له آخر عند غيره فيؤثر ذلك الحظ ويترك محبوبه.