وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ) .
الأصل إذا ذكرت حال بين العبد وبين سيده، لم يكن بد من إضمار يدخل في ذلك، مثاله قوله: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا) ، يعني: أنه معهم في النصر والمعونة، وقوله: (لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) : في التوفيق والولاية. وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ: (اتَّقُوا اللَّهَ) ؛ لأنه لا يحتمل أن يتقوا اللَّه حتى يكون معهم في التقوى؛ إذ ظاهر اللفظ يقتضي هذا؛ كقوله: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) ، أي: في الصدق، وإذا ثبت فيه الإضمار كان الوجه في ذلك أحد معانٍ:
إما أن يقول: اتقوا حق اللَّه - تعالى - أن تضيعوه، أو اتقوا حده أن تعدوه وتبطلوه، أو اتقوا سخطه واتقوا مخالفته، أو اتقوا الأسباب التي تستوجبون بها مقت اللَّه تعالى.
ويحتمل أن يراد من التقوى في هذه الآية أوامره ونواهيه، على ما وصفنا أن لفظ التقوى إذا أطلق جاز أن يراد به الأوامر والنواهي، وإذا ذكر مقابلة أمر كان المعنى منه محارمه ونواهيه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) ، قَالَ بَعْضُهُمْ: من عمل بما أمر في هذه الآية سلم من تبعات الآخرة؛ لأنه إذا شعر قلبه أن الذي يفعله يقدمه لغد امتنع عن ارتكاب ما يجب أن يستحي منه أو يخرب عليه في ذلك الوقت، وأتى بما يستر عليه، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون معنى الآية على النظر لما قدمته نفسه للغد، وذلك أنه إذا تذكر، فنظر فيما قدمت نفسه للغد، وذلك أنه دعاه إلى أحد أمرين: إما إلى التوبة عن السيئة التي قدمها أو إلى الشكر على الحسنة التي يتعاطاها، وكل ذلك منه زيادة في الخير، فكان الواجب ألا يغفل المرء عن ذلك، واللَّه أعلم.