ومن لطائف ونكات تفسير القرطبي:
سُورَةُ الْحَشْرِ
(وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ(3)
قوله تعالى: (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ) أَيْ لَوْلَا أَنَّهُ قَضَى أَنَّهُ سَيُجْلِيهِمْ عَنْ دَارِهِمْ وَأَنَّهُمْ يَبْقَوْنَ مُدَّةً فَيُؤْمِنُ بَعْضُهُمْ وَيُولَدُ لَهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ.
(لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا) أَيْ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ كَمَا فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ.
وَالْجَلَاءُ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ يُقَالُ: جَلَا بِنَفْسِهِ جَلَاءً، وَأَجْلَاهُ غَيْرُهُ إِجْلَاءً.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَلَاءِ وَالْإِخْرَاجِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُمَا فِي الْإِبْعَادِ وَاحِدًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ الْجَلَاءَ مَا كَانَ مَعَ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، وَالْإِخْرَاجُ قد يكون مع بقاء الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ.
الثَّانِي - أَنَّ الْجَلَاءَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِجَمَاعَةٍ، وَالْإِخْرَاجَ يَكُونُ لِوَاحِدٍ وَلِجَمَاعَةٍ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
(لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(8)
أَيِ الْفَيْءُ وَالْغَنَائِمُ لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ.
وَقِيلَ: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ وَلَكِنْ يَكُونُ لِلْفُقَراءِ.
وَقِيلَ: هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَلَمَّا ذُكِرُوا بِأَصْنَافِهِمْ قِيلَ الْمَالُ لِهَؤُلَاءِ، لِأَنَّهُمْ فُقَرَاءُ وَمُهَاجِرُونَ وَقَدْ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، فَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ.
وَقِيلَ: وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ لِكَيْلَا يَكُونَ الْمَالُ دُولَةً لِلْأَغْنِيَاءِ مِنْ بَنِي الدُّنْيَا.
وَقِيلَ: وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْمُهَاجِرِينَ، أَيْ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْكُفَّارِ بِسَبَبِ الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَمِنْ أَجْلِهِمْ.