(فصل)
قال جمال الدين الحبيشي:
عَلَيْك يَا وَلَدي بِالْعلمِ فَإِنَّهُ الْموصل إِلَى كل خير وَهُوَ الدَّافِع لكل ضير وَهُوَ الَّذِي شرفه الله فِي الْجُمْلَة وفضله وَشرف أَهله فِي كل مِلَّة
وَاعْلَم أَنه خلق نَفِيس لَا ينَال بالهوينا والدعة وَإِنَّمَا ينَال بجد واجتهاد ومكابدة جوع وسهاد فَإِن نيل الْعَظِيم لَا يدْرك إِلَّا بِأَمْر عَظِيم وعَلى قدر الرَّاحَة يكون التَّعَب وأعز الْعلم مَا كَانَ عَن ذل الطّلب وبقدر مَا تتعنى تنَال مَا تتمنى
(فاشدد يَديك بِحَبل الدَّرْس مُجْتَهدا ... وَإِن أمضك طول الْجُوع والسهر)
(إِن التُّجَّار إِذا راحوا وَقد ربحوا ... أنساهم الرِّبْح مَا عناهم السّفر)
وَفِي صَحِيح مُسلم وَحلية الْأَوْلِيَاء لأبي نعيم عَن يحيى بن أبي كثير رَحِمهم الله تَعَالَى لَا يُسْتَطَاع الْعلم براحة الْجِسْم
وروى الْحسن بن خَلاد رَحمَه الله فِي كِتَابه الْفَاضِل بِإِسْنَادِهِ عَن إمامنا الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ إِنَّه قَالَ لَا يطْلب هَذَا الْعلم من يَطْلُبهُ بِالْملكِ وغنى النَّفس فيفلح وَلَكِن من طلبه بذلة النَّفس وضيق الْعَيْش وخدمة الْعلمَاء أَفْلح
وَقَالَ أَيْضا رَضِي الله عَنهُ لَا يدْرك الْعلم إِلَّا بِالصبرِ على الذل وَقَالَ أَيْضا رَضِي الله عَنهُ حق على طلبة الْعلم بُلُوغ غَايَة جهدهمْ فِي الإستكثار من علمه وَالصَّبْر على كل عَارض يعرض دون طلبه وإخلاص النِّيَّة لله تَعَالَى فِي إِدْرَاك علمه نصا واستنباطا وَالرَّغْبَة إِلَى الله تَعَالَى فِي العون عَلَيْهِ
وَقَالَ الإِمَام أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ يستعان على الْفِقْه بِجمع الهمة ويستعان على حذف العلائق بِأخذ الْيَسِير عِنْد الْحَاجة وَأنْشد بعض الْمُتَقَدِّمين
(تمنيت أَن تمسي فَقِيها مناظرا ... بِغَيْر عناء فالجنون فنون)
(وَلَيْسَ اكْتِسَاب المَال دون مشقة ... تحملتها فالعلم كَيفَ يكون)
وَقَالَ الإِمَام مَالك رَضِي الله عَنهُ لَا يبلغ أحد من هَذَا الْعلم حَتَّى يضر بِهِ الْفقر ويؤثره على كل شَيْء
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْآجُرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى من طلب الْعلم بالفاقة ورث الْفَهم
وَقيل لبَعْضهِم بِمَ أدْركْت الْعلم قَالَ بِالْمِصْبَاحِ وَالْجُلُوس إِلَى الصَّباح