{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}
فيه أربع مسائل:
الأولى قوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا} أي أتبعنا {على آثَارِهِم} أي على آثار الذرية.
وقيل: على آثار نوح وإبراهيم {بِرُسُلِنَا} موسى وإلياس وداود وسليمان ويونس وغيرهم {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ} فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه {وَآتَيْنَاهُ الإنجيل} وهو الكتاب المنزل عليه.
وتقدّم اشتقاقه في أوّل سورة"آل عمران".
الثانية: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه} على دينه يعني الحواريين وأتباعهم {رَأْفَةً وَرَحْمَةً} أي مودّة فكان يواد بَعضهم بعضاً.
وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرّفوا الكلِم عن مواضعه.
والرأفة اللين، والرحمة الشفقة.
وقيل: الرأفة تخفيف الْكَلِّ، والرحمة تحمُّل الثقل.
وقيل: الرأفة أشد الرحمة.
وتم الكلام.
ثم قال: {وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها} أي من قِبل أنفسهم.
والأحسن أن تكون الرهبانية منصوبة بإضمار فعل؛ قال أبو علي: وابتدعوها رهبانية ابتدعوها.
وقال الزجاج: أي ابتدعوها رهبانية؛ كما تقول رأيت زيداً وعمراً كلّمت.
وقيل: إنه معطوف على الرأفة والرحمة؛ والمعنى على هذا أن الله تعالى أعطاهم إياها فغيّروا وابتدعوا فيها.
قال الماوردي: وفيها قراءتان؛ إحداهما بفتح الراء وهي الخوف من الرَّهب.