وقال المؤيد بالله:
سورة الحديد
(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ(3)
وإنما جاءت معطوفة في قوله تعالى (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ) لأنها متضادة المعاني في أصل موضوعها، فلهذا جاءت الواو رافعة لتوهم من يستبعد ذلك في ذات واحدة؛ لأن الشيء الواحد لا يكون ظاهرا باطنا من وجه واحد، فلأجل هذا حسن العطف.
(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ(4)
قوله: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) ظاهر الآية ههنا دال على أن الغاشى هو الليل لقوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى) [سورة الليل: 1] فالليل إذا غاش للنهار يطلبه، فهذا هو الظاهر من الآية ويحتمل أن يكون الغاشى هو النهار، وأن الغشيان مضاف إليه دون الليل، وأن الليل لا يغشى النهار، بخلاف التكوير في قوله تعالى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ) [سورة الزمر: 5] وبخلاف الإيلاج في قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) [سورة الحديد: 6] فإن التكوير والإيلاج يصلح أن يكون في كل واحد منهما كما في ظاهر هاتين الآيتين، والسر في ذلك هو أن التكوير هو الجمع، يقال: كور الليل، إذا جمعه ومنه كارة القصار، والإيلاج هو الإدخال يقال:
ولج في بيته، إذا دخل فيه، وهذان المعنيان يصلحان في كل واحد من الليل والنهار، لأن الليل يجمع على النهار كما يجمع النهار على الليل، وهكذا الإيلاج، فإن الليل يدخل في النهار، كما يدخل النهار في الليل. بخلاف الغشيان، فإنه مخصوص بالنهار، والسر في ذلك هو أن النور أمر وجودي محقق، والظلمة أمر عدمي، وحقيقتها آئلة إلى أنها عدم النور، فهكذا تقول: الليل حقيقة آئلة إلى عدم الإضاءة، والنور حقيقة آئلة إلى حصول الإضاءة والإنارة، وإذا كان الأمر كما قلناه من ذلك صح وصف النهار بالغشيان لظلمة الليل، لأنه يطلع بالإنارة فيغشى الليل بإذهابه، ووصف النهار بكونه غاشيا استعارة حسنة، إذ الغشاء هو الغطاء فنزله أعني النهار في إذهابه لظلام الليل، منزلة من يغطى الشيء بالغشاوة ويستره، لأنه يذهب ظلمته ويزيلها بطلوعه، ويمحوها بإنارته. انتهى انتهى {الطراز لأسرار البلاغة، للمؤيد بالله} ...