{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ... (21) } [فصل: الفرق بين المبادرة والعجلة]
والفرق بين المبادرة والعجلة أن المبادرة انتهاز الفرصة في وقتها ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها، لا يطلب الأمور في إدبارها ولا قبل وقتها، بل إذا حضر وقتها بادر إليها ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته، فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقت كمال نضجها وإدراكها.
والعجلة طلب أخذ الشيء قبل وقته فهو لشدة حرصه عليه بمنزلة من يأخذ الثمرة قبل أوان إدراكها.
فالمبادرة وسط بين خلقين مذمومين أحدهما التفريط والإضاعة.
والثاني الاستعجال قبل الوقت، ولهذا كانت العجلة من الشيطان فإنها خفّة وطيش وحدّة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم، وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها، وتجلب عليه أنواعا من الشرور، وتمنعه أنواعا من الخير، وهي قرين الندامة، فقلّ من استعجل إلا ندم، كما أن الكسل قرين الفوت والإضاعة.
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ... (22) }
أخبر سبحانه أنه قدر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن يبرأ الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع.
وهو الأحسن.
ثم أخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه وأنه يسير عليه، وحكمته البالغة التي منها أن لا يحزن عباده على ما فاتهم إذا علموا أن المصيبة فيه بقدره وكتابته، ولا بد قد كتبت قبل خلقهم هان عليهم الفائت فلم يأسوا عليه، ولم يفرحوا بالحاصل لعلهم أن المصيبة مقدرة في كل ما على الأرض.
فكيف يفرح بشيء قد قدرت المصيبة فيه قبل خلقه؟
ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب أو خوف فواته، أو حصول مكروه، أو خوف حصوله نبه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله، وعلى فوته حيث لم يحصل.
ونبه بعدم الفرح به إذا وجد على توطين النفس لمفارقته قبل وقوعها، وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع.
وهذه هي أنواع المصائب فإذا تيقن العبد أنها مكتوبة مقدرة، وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه
هانت عليه، وخف حملها، وأنزلها منزلة الحر والبرد.