(فصل: في نحو أهل الإشارة)
قال العز بن عبد السلام:
{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) }
(باب في ألفاظ مختلفة أفادت معاني مختلفة)
مثل: نعم، وبئس، وحبذا، وعسى، وليت، ولعل.
فنعم معناها المدح، وبئس معناها الذم، وحبذا معناها، التحبب، وعسى من أفعال المقاربة، ومعناها الترجي، ومثلها لعل، وليت معناها التمني، وهن ملحقات بالأفعال.
فعلم القوم أن أفعالهم، على اختلافها، تتناولها هذه الألفاظ، فنعم ملحقة بالعمل المحمود، قال الله تبارك وتعالى: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} ، وقال: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} ، وقال تعالى: {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} .
وبئس ملحقة بالعمل المذموم، قال الله تبارك وتعالى: {لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} ، وقال في جزاء قوم: {فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} . {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ} . {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .
وحبذا مركبة من حب وذا. فتحبب القوم إلى مولاهم بحبه إياهم، وعلموا أنه حاضر معهم أينما كانوا، وحيث ما كانوا. فلما سئلوا عن محبوبهم قالوا: ذا إشارة إلى قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ، فركبوا من كلام حب وذا حبذا، كما ركبوا ميم معيته مع كاف كميتهم، فقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} .
وعسى من أفعال المقاربة، ومعناها الترجي. فنظر القوم إلى أفعالهم المقاربة، وأحوالهم المتقاربة، فخلطوا حرارة الخوف ببرودة الرجاء، وجلسوا بين التخويف والتشويف، يقتنعةن باليسير، وإن قل، ويتعللون بعسى، ولعل، حتى جاءهم التشري بإشارة: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} .
ومثلها لعل.
وليت معناها التمني. فهم أبدا بين تمن وتعن، وحركة وتأن، إن أعطي أحدهم مناه، قال: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} .
وإن مالت النفس إلى سواه، قال: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً} ، {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ} .
وإن سبقه القوم إلى رضاه، قال: {يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} . انتهى انتهى {تلخيص العبارة في نحو أهل الإشارة، للعز بن عبد السلام} ...