وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ(68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69)
يذكر نعمه عليهم بما أنزل لهم من الماء العذب فيشربون، وأخبر أنه لو شاء، لجعله أجاجا مالحًا ما يهلك الأنفس، ولا تقوم به، وكذلك قوله: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا) حتى يخرج من أن يكون غذاء فيه، ولكن بفضله ورحمته أبقى لهم ذلك أغذية وأشربة؛ ولذلك قال في آخره: (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ(70) . أي: هلا تشكرون ما أنعم عليكم؟
ثم في هذه الآية دلالة نقض قول المعتزلة في أفعال العباد؛ حيث قال: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ. أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) ، والإمناء: هو فعل العبد؛ إذ هو دفق المني، ثم أخبر أنه هو خالق ذلك؛ حيث قال: (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ) ، وكذلك الحراثة والزراعة فعل العباد، وأخبر أنه خالق ذلك.
وفي قوله تعالى: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا) و (أجَاجًا) نقض قولهم في الأصلح؛
فإنه يقال لهم: إن قوله: لو شاء لجعله كذا، ثم لم يفعل ذلك، فقد ترك الأصلح لهم، أو يكون الأصلح لهم في إبقاء ذلك؛ فيصير كأنه قال: لو شاء لجعل ما هو حق وعدل جورا، ولا يجوز أن يقال: إن اللَّه تعالى لو شاء أن يجور لجار؛ فعلى أي الوجهين حمل، كان في ذلك نقض مذهبهم.