(فصل: في أشجار الجنة وبساتينها وظلالها)
قال تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ}
وقال تعالى: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} وهو جمع فنن وهو الغصن
وقال {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}
والمخضود: الذي قد خضد شوكة أي نزع وقطع فلا شوك فيه.
وهذا قول بن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة وأبي الأحوص وقسامة بن زهير وجماعة واحتج هؤلاء بحجتين:
أحدهما: أن الخضد في اللغة القطع، وكل رطب قضيته فقد خضدته وخضدت الشجر إذا قطعت شوكة فهو خضيد ومخضود.
ومنه الخضد على مثال الثمر، وهو كل ما قطع من عود رطب خضد بمعنى مخضود كقبض وسلب
والخضاد شجر: رخو لا شوك له.
الحجة الثانية: قال ابن أبي داود حدثنا محمد بن مصفى حدثنا محمد بن المبارك حدثنا يحيى بن حمزة حدثنا ثور ابن يزيد حدثني حبيب بن عبيد عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالسا مع رسول الله فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكا منها.
يعني الطلح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن الله جعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود، فيها سبعون لونا من الطعام لا يشبه لون آخر"
(الملبود) الذي قد اجتمع شعره بعضه على بعض.
وقال عبد الله بن المبارك: أنبأنا صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون
"إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم"
أقبل أعرابي يوما فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الله في الجنة شجرة مؤذية وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"وما هي؟"
قال السدر فإن له شوكا مؤذيا.
قال أليس الله يقول (في سدر مخضود) ؟ خضد الله شوكة فجعل مكان كل شوكة ثمرة""
وقالت طائفة: المخضود هو الموقر حملا وأنكر عليهم هذا القول وقالوا لا يعرف في اللغة الخضد بمعنى الحمل.
ولم يصب هؤلاء الذين أنكروا هذا القول بل هو قول صحيح وأربابه ذهبوا إلى أن الله سبحانه وتعالى لما خضد شوكة وأذهبه وجعل مكان كل شوكة ثمرة أوقرت بالحمل.
والحديثان المذكوران يجمعان القولين.
وكذلك قول من قال (المخضود) الذي لا يعقر اليد، ولا يرد اليد عنه شوك ولا أذى فيه.