(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) }
وَفِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: قِيَامُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ يَوْمَ الْجَزَاءِ.
وَالثَّانِي: قِيَامُ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ بِإِحْصَاءِ مَا اكْتَسَبَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وَهُوَ الَّذِي إِذَا هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ ذَكَرَ مَقَامَ رَبِّهِ عَلَيْهِ فِيهَا فَانْتَهَى. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلسَّابِقِينَ وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ لِلتَّابِعِينَ.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَابٌّ يُلازِمُ الْمَسْجِدَ وَالْعِبَادَةَ، فَعَشِقَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَتَتْهُ فِي خَلْوَةٍ فَكَلَّمَتْهُ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ فَشَهَقَ شَهْقَةً فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَجَاءَ عَمٌّ لَهُ فَحَمَلَهُ إِلَى بَيْتِهِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: يَا
عَمِّ انْطَلِقْ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وَقُلْ لَهُ: مَا جَزَاءُ من خاف مقام ربه؟ فانطلق عمر فَأَخْبَرَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَتَاهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ شَهَقَ فَمَاتَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَقَالَ: لَكَ جَنَّتَانِ.
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ".
أَخْرَجَاهُ في الصحيحين.
وقال يحيى ابن أبي كثير: لا يحمد ورع امرئ حَتَّى يَشْفِيَ عَلَى طَمَعٍ وَيَقْدِرَ عَلَيْهِ فَيَتْرُكَهُ حِينَ تَرَكَهُ للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.