ومن لطائف ونكات تفسير البيضاوي:
سورة الرحمن
(الرَّحْمنُ(1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (4)
لما كانت السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والآخروية صدرها بـ الرَّحْمنُ، وقدم ما هو أصل النعم الدينية وأجلها وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، فإنه أساس الدين ومنشأ الشرع وأعظم الوحي وأعز الكتب، إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها مصدق لنفسه ومصداق لها، ثم أتبعه قوله: (خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ) إيماء بأن خلق البشر وما يميز به عن سائر الحيوان من البيان، وهو التعبير عما في الضمير وإفهام الغير لما أدركه لتلقي الوحي وتعرف الحق وتعلم الشرع، وإخلاء الجمل الثلاث التي هي أخبار مترادفة لـ (الرَّحْمنُ) عن العاطف لمجيئها على نهج التعديد.
(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ(5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (6)
(يَسْجُدانِ) ينقادان لله تعالى فيما يريد بهما طبعًا انقياد الساجد من المكلفين طوعًا، وكان حق النظم في الجملتين أن يقال: وأجرى الشمس والقمر، وأسجد النجم والشجر.
أو الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ له، ليطابقا ما قبلهما وما بعدهما في اتصالهما بـ (الرَّحْمنُ) ، لكنهما جردتا عما يدل على الاتصال إشعارًا بأن وضوحه يغنيه عن البيان، وإدخال العاطف بينهما لاشتراكهما في الدلالة على أن ما يحس به من تغيرات أحوال الأجرام العلوية والسفلية بتقديره وتدبيره.
(وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ(9)
ولا تنقصوه فإن من حقه أن يسوى لأنه المقصود من وضعه، وتكريره مبالغة في التوصية به وزيادة حث على استعماله.
(فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ(39)