الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الرَّحْمَنُ أَيُّهَا النَّاسُ بِرَحْمَتِهِ إِيَّاكُمْ عَلَّمَكُمُ الْقُرْآنَ، فَأَنْعَمَ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ، إِذْ بَصَّرَكُمْ بِهِ مَا فِيهِ رِضَا رَبِّكُمْ، وَعَرَّفَكُمْ مَا فِيهِ سَخَطُهُ، لِتُطِيعُوهُ بِاتِّبَاعِكُمْ مَا يُرْضِيهِ عَنْكُمْ، وَعَمَلِكُمْ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَبِتَجَنُّبِكُمْ مَا يُسْخِطُهُ عَلَيْكُمْ، فَتَسْتَوْجِبُوا بِذَلِكَ جَزِيلَ ثَوَابِهِ، وَتَنْجُوا مِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ
عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ} قَالَ: «نِعْمَةٌ وَاللَّهِ عَظِيمَةٌ»
وَقَوْلُهُ: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: خَلَقَ آدَمَ وَهُوَ الْإِنْسَانُ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا وَحَّدَ فِي اللَّفْظِ لِأَدَائِهِ عَنْ جِنْسِهِ، كَمَا قِيلَ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} وَالْقَوْلَانِ كِلَاهُمَا غَيْرُ بَعِيدَيْنِ مِنَ الصَّوَابِ لِاحْتِمَالِ ظَاهِرِ الْكَلَامِ إِيَّاهُمَا
وَقَوْلُهُ: {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: عَلَّمَ الْإِنْسَانَ الْبَيَانَ
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِالْبَيِانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهِ بَيَانَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ
عَنْ قَتَادَةَ، «عَلَّمَهُ اللَّهُ بَيَانَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَيَّنَ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ، لِيَحْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَى خَلْقِهِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِهِ الْكَلَامَ: أَيْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ الْبَيَانَ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا بِهِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْمَعَايِشِ وَالْمَنْطِقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا بِهِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُخَصِّصْ بِخَبَرِهِ ذَلِكَ، أَنَّهُ عَلَّمَهُ مِنَ الْبَيَانِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، بَلْ عَمَّ فَقَالَ: عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، فَهُوَ كَمَا عَمَّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 22/}