(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
وقد قيل: إن الضلال عن الحقّ الذي هو بمعنى العذاب، واستشهد قائل ذلك بقوله: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ}
يعني: في عذاب وسعر وليس هذا باستشهاد صحيح، لأنّه يحتمل أن يكون عن أنّ المجرمين في الدنيا في ضلال عن الحقّ وفي سعر في الآخرة، أو في ضلال في الدنيا عن الحق، وسعر هو نفس ضلالهم عن الحق، وإنّما سمّى أعمالهم سعرا على معنى أنّه يستحق بها الكون في السعير، كما قال: {فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175] ، يعني على عمل أهل النّار فلا حجّة في الآية، وعلى أنّه لو كان الأمر على ما ذكروه لصار تقدير الكلام إنّ المجرمين في عذاب لأنّ السعير نفسه عذاب، وهو يغني عن ذكر العذاب، وهذا مستثقل مستغث من الكلام، فوجب أن يكون قوله: {في ضلال} يعني ذهاب عن الحقّ، وفي سعر من أعمالهم هذه، أو سيكون في سعر يوم القيامة، وعلى أنّه سمّى العذاب ضلالا فعلى معنى أنّه ذاهب بصاحبه عن الثواب واللذّات، فهو راجع إلى الذهاب عن الجنّة على وجه الشبه بالذهاب عن الحقّ، والأمر المقصود الذي فيه السلامة والنجاة. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...