ومن لطائف ونكات تفسير الواحدي:
سورة الرحمن
قوله {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ}
قال أهل المعاني: إنما قيل لا تطغوا؛ لأن ما لا يضبط في الوزن موضوع عنهم ما لم يتعمدوا البخس فإذا تعمدوا فقد طغوا، وإنما قال: {لا تطغوا في الميزان} ولم يقل فيه بالكناية وقد سبق ذكره لكي يكون قائمًا بنفسه في النهي عنه، ولا يكون الثاني متضمنًا بالأول.
قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}
«فإن قيل» : على هذا إنما تقدم ذكر الإنس في قوله {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} ولم يجر للجن ذكر حتى يدخل في الخطاب؟
والجواب عن هذا ما ذكره الفراء قال: العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين فيقال: ارجلاها وازجراها/ وقد ذكرنا هذا عند قوله {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} وهذا الوجه اختيار ابن الأنباري.
وقال صاحب النظم: خاطب الجن مع الإنس، وإن لم يجر لهم ذكر كما أن يكنى عن الشيء، وإن لم يجر له ذكر كقوله تعالى {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} .
وذكر الأزهري قولين آخرين: أحدهما: أنه قد جرى ذكر الأنام ومعناه الجن والإنس، والثاني: أن الله تعالى خاطبهما قبل ذكرهما ثم ذكرهما معا بعقب الخطاب، وهو قوله: {أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} كما قال المثقب العبدي:
وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
فقال أيهما، ولم يجر للشر ذكر إلا بعد تمام البيت الثاني.
وهذا الوجه معنى قول أبي عبيدة والكسائي.
وأما معنى تكرير هذه الآية في هذه السورة فقال أصحاب المعاني: معنى التكرير التقرير بالنعمة عند ذكرها على التفصيل نعمة نعمة، كأنه قيل: بأي هذه الآلاء تكذبان، ثم ذكرت آلاء أخر، واقتضت من التقرير بها ما اقتضت الأولى ليتأمل كل واحدة في نفسها وفيما تقتضيه صفتها وحقيقتها التي تنفصل بها من غيرها.
وشرح ابن قتيبة هذه الجملة شرحًا شافيًا فقال: إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه وذكّر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته ولطفه بخلقه، ثم أتبع ذكر كل خلة وصفها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ليفهمهم النعم، ويقررهم بها، وهذا كقولك لرجل أحسنت إليه دهرك وتابعت عليه الأيادي وهو في ذلك ينكرك ويكفرك: ألم أبوئك منزلًا وأنت طريد أتنكر هذا؟ ألم أحجج بك وأنت صرورة؟ ألم أحملك وأنت راجل؟ أفتنكر هذا؟
وقال صاحب النظم: إن من عادة العرب الإيجاز والاختصار في بعض الأماكن والإشباع والتوكيد في بعض، والتكرير والإعادة إذا أرادوا الإبلاغ بحسب العناية بالأمر كما قال الحارث بن عباد:
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل من حيال
وكرر ذكر قول (قربا مربط النعامة) في رؤوس أبيات كثيرة عناية بالأمر، وإرادة للإبلاغ في التثنية والتحذير وكذلك الجعفي في قصيدته التي يقول فيها:
وكتيبة لبستها بكتيبة حتى ... تقول نساؤهم هذا فتى
فكرر هذه الكلمة في رؤوس أبيات منها، لأنه ذهب مذهب الحارث ابن عباد في العناية والتأكيد، وقال غيرهما:
كم نعمة كانت لكم ... كم كم وكم
فكرر كم في بيت واحد أربع مرات تأكيدًا لفرط العناية بهذه الكلمة، فكذلك قوله - عز وجل - {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) } ، وقوله في {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ، وقوله {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} جاء هذا كله في التكرير والإعادة في الإبلاغ والتوكيد؛ لأنها كلها تحرير وتذكير وتنبيه. انتهى انتهى {التفسير البسيط، للواحدي} ...