(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
سورة القمر
{وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) }
ومن الكناية عن الموصوف: قول الله تعالى في شأن نوح - عليه السلام - وقد عم الطوفان: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ}
فقد كنَّى عن السفينة بكونها صاحبة ألواح ومسامير، ودليل خصوصية هذه الصفة بالسفينة مما لا يخفَى؛ فالألواح والمسامير خاصة بما يحمل الناس والمتاع على صفحة الماء من فُلك وجوار وسفن، ولا تزال تلك الطبيعة التكوينية للسفينة - الألواح والمسامير - باقية إلى عصرنا هذا، أيًّا كانت المادة التي تكون منها الألواح والمسامير، وفي ذكر هذه الصفة إيماء بليغ إلى قدرة الله التي هيأت أسباب طفو الحديد وغيره على الماء بما يُحمَل من الأثقال.
{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) }
مثلًا قول الله تعالى في سورة القمر، فكل آية آخرها حرف راء - وهناك ست آيات آخرها حرف الراء - هذه الراء بعدها ياء المتكلم، وهي: {عَذَابِي وَنُذُرِ} وحذفت الياء لأغراض، منها: رعاية الفاصلة التي بُنيت على حرف الراء، وحذفها لدلالة ياء المتكلم الموجودة في الكلمة قبلها: {عَذَابِي} عليه. ومنها: قَطْع الكلمة عند حرف الراء للتخويف والترهيب، فهو نذر عظيم لا يقادر قدره، ولا يحاط وصفه، فحذف الياء جاء للتوافق الصوتي مع الآيات السابقة واللاحقة، والقرآن الكريم قِمة في ذلك، إذ هو يحرص على توافق التنغيم الصوتي بقدر حرصه على مراعاة الأحوال والمقتضيات.
{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) }
فشبه القوم بالهشيم، وكلاهما واحد لا تعدد فيه، لكن انظر إلى دقة التعبير في كلا الموضعين تجد مثلًا استخدام الألفاظ
والإيحاءات في كل يختلف عن الآخر تمامًا؛ لقد عبر مثلًا عن هلاك ثمود بأنهم صاروا كالهشيم، وهو شجر اليابس، وهذا يكفي في إفادة هلاكهم، لكنه يضيف إلى المشبه به هذا القيد كلمة {الْمُحْتَظِرِ} أي: الذي يعمل الحظيرة لمواشيه من يابس الشجر، فما سقط منها داسته فهو الهشيم؛ ولذا أفاد هذا القيد حقارتهم وازدراءهم، فهم كالهشيم الذي تطؤه الدواب، وتبول عليه، وتروث؛ بينما نجد الهلاك مثلًا مع أصحاب الفيل، فقد جعلوا كالعصف، وورق الزرع، وهذا كافٍ في إفادة الهلاك.