(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) }
(الله أعلم بما يصلح عبده)
اللذات كلها بين حسي وعقلي، فنهاية اللذات الحسية وأعلاها النكاح.
وغاية اللذات العقلية العلم، فمن حصلت له الغايتان في الدنيا فقد نال النهاية، وأنا أرشد الطالب إلى أعلى المطلوبين، غير أن للطالب المرزوق علامة وهو أن يكون مرزوقاً علو الهمة، وهذه الهمة تولد مع الطفل فتراه من زمن طفولته يطلب معالي الأمور.
كما يروي في الحديث أنه كان لعبد المطلب مفرش في الحجر فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي وهو طفل فيجلس عليه، فيقول عبد المطلب: إن لابني هذا شأناً.
فإن قال قائل: فإذا كانت لي همة ولم أرزق ما أطلب فما الحيلة؟.
فالجواب أنه إذا امتنع الرزق من نوع لم يمتنع من نوع آخر.
ثم من البعيد أن يرزقك همة ولا يعينك، فانظر في حالك فلعله أعطاك شيئاً ما شكرته، أو ابتلاك بشيء من الهوى ما صبرت عنه.
واعلم أنه ربما زوى عنك من لذات الدنيا كثيراً ليؤثرك بلذات العلم، فإنك ضعيف ربما لا تقوى على الجمع، فهو أعلم بما يصلحك.
وأما ما أردت شرحه لك فإن الشاب المبتدئ طلب العلم ينبغي له أن يأخذ من كل علم طرفاً، ويجهل علم الفقه الأهم، ولا يقصر في معرفة النقل؛ فبه تبين سير الكاملين.
وإذا رزق فصاحة من حيث الوضع، ثم أضيف إليها معرفة اللغة والنحو فقد شحذت شفرة لسانه على أجود مسن.
ومتى أدى العلم لمعرفة الحق وخدمة الله عز وجل فتحت له أبواب لا تفتح لغيره.
وينبغي له بالتلطف أن يجعل جزءاً من زمانه مصروفاً إلى توفير الاكتساب والتجارة، مستنيباً فيها، غير مباشر لها مع التدبير في العيش الممتنع من الإسراف والتبذير.
فإن رواية العلم والعمل به إلى درجة المعرفة لله عز وجل آسرة للمشاعر، فربما شغلته لذة ما وصل إليه عن كل شيء، ويا لها حالة سليمة من آفة.
وإن وجد من طبعه منازعاً إلى الشوق في النكاح فليتخير السراري في الأغلب غل.
وليعزل عن المملوكات إلى أن يجرب خلقهن ودينهن.
فإن رضين طلب الولد منهن، وإلا فالاستبدال بهن سهل.
ولا يتزوج حرة إلا أن يعلم أنها تصبر على التزويج عليها والتسري، وليكن قصده الاستمتاع بها لا إجهاد النفس في الإنزال.
فإن ذلك يهدم قوته فيضعف الأصل.