قوله: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}
يقال: كذبني فلان بالتخفيف، أي: قال لي الكذب ولم يصدقني، وهذا فعل يتعدى إلى مفعول واحد، يدل عليه قول الأخطل:
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أم رَأيتَ بواسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلامِ من الرَّبابِ خَيَالاَ
أي أرتك ما لا حقيقة له، كما أنك إذا قلت كذبتني عيني، معناه: رأت ما لا حقيقة له، ومعنى الآية: كانت رؤيته صحيحة غير كاذبة.
قال المفسرون: هذا إخبار عن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه ليلة المعراج.
قال ابن عباس في رواية عطاء: رأى ربه بقلبه.
وقال في رواية باذان: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ} يعني فؤاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما رأى محمد ربه بفؤاده ولم يره بعينه.
وقال في رواية عكرمة: رآه بقلبه.
وقال في رواية أبي العالية: رآه بفؤاده، ونحو هذا روي عن أبي ذر، وإبراهيم التيمي. وعلى هذا القول: رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه بفؤادهِ رؤية صحيحة، وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرًا حتى رأى به رؤية غير كاذبة كما يرى بالعين.
ومذهب جماعة من المفسرين أنه رآه بعينه، وهو قول أنس، وعكرمة، والحسن، وكان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه، ونحو ذلك قال الربيع.
وروى عكرمة أنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد - صلى الله عليه وسلم -.
وروى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس أنه قال: أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدًا رأى ربه مرتين.
وكل هؤلاء أثبتوا رؤية صحيحة إما بالعين والبصر، وإما بالفؤاد على ما بينا.
قال المبرد: ومعنى الآية أنه رأى شيئًا فصدق فيه.
وقال أبو الهيثم: أي لم يكذب الفؤاد رؤيته و (مَا رَأَى) بمعنى الرؤية. يقال: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم ير، بل صدقه الفؤاد رؤيته، وعلي هذا (مَا رَأَى) مصدر في موضمع النصب؛ لأنه مفعول كذب.