الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِالنَّجْمِ: الثُّرَيَّا، وَعَنَى بِقَوْلِهِ: {إِذَا هَوَى} : إِذَا سَقَطَ، قَالُوا: تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَالثُّرَيَّا إِذَا سَقَطَتْ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «إِذَا سَقَطَتِ الثُّرَيَّا مَعَ الْفَجْرِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَالْقُرْآنِ إِذَا نَزَلَ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ: كَفَرْتُ بِرَبِّ النَّجْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا تَخَافُ أَنْ يَأْكُلَكَ كَلْبُ اللَّهِ» قَالَ: فَخَرَجَ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَبَيْنَمَا هُمْ قَدْ عَرَّسُوا، إِذْ سَمِعَ صَوْتَ الْأَسَدِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي مَأْكُولٌ، فَأَحْدَقُوا بِهِ، وَضُرِبَ عَلَى أَصْمِخَتِهِمْ فَنَامُوا، فَجَاءَ حَتَّى أَخَذَهُ، فَمَا سَمِعُوا إِلَّا صَوْتهُ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: عَنَى بِقَوْلِهِ: {وَالنَّجْمِ} وَالنُّجُومِ وَقَالَ: ذَهَبَ إِلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ، وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ رَاعِي الْإِبِلِ
فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ فِي مُسْتَحِيرَةٍ ... سَرِيعٌ بِأَيْدِي الٍآكِلِينَ جُمُودُهَا
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِالنَّجْمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الثُّرَيَّا، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَدَعُوهَا النَّجْمَ، وَالْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ مَنْ حَكَيْنَا عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَوْلٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ قَالَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ، فَلِذَلِكَ تَرَكْنَا الْقَوْلَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا حَادَ صَاحِبُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ عَنِ الْحَقِّ وَلَا زَالَ عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَسَدَادٍ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَمَا غَوَى} : وَمَا صَارَ غَوِيًّا، وَلَكِنَّهُ رَشِيدٌ سَدِيدٌ؛ يُقَالُ: غَوَى يَغْوِي مِنَ الْغَيِّ، وَهُوَ غَاو، وَغَوِيَ يَغْوَى مِنَ اللَّبَنِ: إِذَا بَشِمَ وَقَوْلُهُ: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ} جَوَابُ قَسَمِ وَالنَّجْمِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) }