[من روائع الأبحاث]
(فصل: من التضمين النحوي في السورة الكريمة)
(وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ(20)
ذكر الجمل: زوَّج يتعدى بنفسه إلى مفعولين وعدي للثاني بالباء لتضمنه معنى (قرناهم) . وقال الآلوسي: ويعلم مما ذكر أن قول بعض الفقهاء (زوجته بها) خطأ لا وجه له. وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: زوجناهم: أنكحناهم والمراد على ما قال أكثر من واحد: قرناهم. وقال أبو السعود: وزوجناهم: قرناهم بهن. ومثله قال البيضاوي ولذلك عدي بالباء. ووافقه البروسوي أيضا. ونقل عن صاحب المفردات قوله: ولم يجئ في القرآن زوجناهم حورا كما يقال: زوجته امرأة تنبيها أن ذلك لا يكون على حسب المتعارف فيما بيننا من المناكحة، قيل: ثم لا يكون العقد في الجنة لأن فائدته: الحِل، والجنة ليست بدار كلفة من تحريم أو تحليل.
وذكر الخليل: أن الباء للإقحام ومعناه زوجناهم حورا عينا.
وقال الجوهري في صحاحه: تقول العرب زوجته امرأة، وتزوجت امرأة وليس من كلام العرب تزوجت بامرأة. قال: وقول اللَّه تعالى: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) أي قرناهم بهن. وقال الفراء: تزوجت بامرأة لغة: في أزد شنوءة.
أقول: لعل تضمين زوج معنى (أكرم ومتع) والمتعدي بالباء، أحلى جنى وأعذب، لأنه كالرمز والإيماء على المرتقى السامي فيُطلب والعزيز الخبيء فيُستخرج فالزواج في الجنة إمتاع وليس للمُكرَم إلا أن يترقى في منازل الإكرام ويعلو في مراتب المتعة حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع.
فإمتاعه بحوراء بل بحور لا حَصَر لهن، حلقة في سلسلة صور التكريم في المشهد البهيج من النعيم المقيم. أما صرف الزواج للقِران والقرينة (فعولة بمعنى مفعولة) فمستوحش في مسالك الاستعمال يُعر معناه كُدرة لفظة، قال تعالى: (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) وقال سبحانه: (فَبِئْسَ الْقَرِينُ) وقال: (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) وقال جل جلاله: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) وقال: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) وقال: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ) .
فهل نستسيغ ما قاله أكثر المفسرين من تضمين الزواج في الجنة معنى القِران! فالباء هذه صرفت معنى الزواج إذاً إلى الإمتاع، وهل كان الزواج في جنة النعيم لغير المتعة، فصارت الباء كالمنبهة على تكريم أهل الجنة بالحور العين وليست مقحمة ولا زائدة ولا ... فجمع التضمين الحسنيين ودل على الغرضين فاشددْ يدك به ولا تَنْبُ عنه فالخيرُ في وجهه والفضل في سجاياه. انتهى انتهى {التضمين النحوي في القرآن الكريم، للدكتور/ محمد نديم فاضل} ...