15 -ولمّا ذكر سبحانه حال أهل النار .. ذكر حال أهل الجنة، فقال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ} عن الكفر والمعاصي والجهل والميل إلى ما سوى المولى، والمتصفين بالإيمان والطاعة والمعرفة والتوجّه إلى الحضرة العليا لكائنون {فِي جَنَّاتٍ} ؛ أي: بساتين لا يعرف كنهها، فالتنكير: للتعظيم، ويجوز أن يكون للتكثير، كما في قوله: إنّ له لإبلًا، وإن له لغنمًا، والعرب تسمي النخيل جنّةً. {وَعُيُونٍ} ؛ أي: أنهار جارية؛ أي: تكون الأنهار بحيث يرونها، وتقع عليها أبصارهم، لا أنهم فيها؛ أي: هم في بساتين فيها عيون جارية لا يبلغ وصفها الواصفون، حال كونهم
16 - {آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} ؛ أي: قابلين ما أعطاهم ربّهم من الخير والكرامة، راضين به، فهو حال من الضمير المستكن في الجار والمجوور على معنى: أنّ كل ما أعطاهم حسن مرضي متلقى بالقبول ليس فيه ما يرد, لأنّه في غاية الجودة، ومنه قوله: {وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} ؛ أي: يقبلها ويرضاها، قال بعضهم: معناه: آخذين ما آتاهم ربهم اليوم بقلوب فارغة إلى الله من أصناف ألطافه، وغدًا يأخذون ما يعطيهم ربهم في الجنة من فنون العطاء والرفد.
وفي"فتح الرحمن": ختم الآية هنا بقوله: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) } وفي الطور بقوله: {وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ} ؛ لأنّ ما هنا متصل بما به يصل الإنسان إلى الجنات وهو قوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} الآيات. وما في الطور متصل بما يناله الإنسان فيها، وهو قوله: {وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18) كُلُوا وَاشْرَبُوا} الآية. انتهى.
والمعنى: أي إنّ الذين اتقوا الله وأطاعوه واجتنبوا معاصيه في بساتين وجنّات تجري من تحتها الأنهار، قريرةً أعينهم بما آتاهم ربّهم، إذ فيه ما يرضيهم، ويغنيهم، ويفوق ما كانوا يؤملون.