ومن لطائف ونكات تأويل مشكل القرآن للدينوري
سورة الذاريات
(لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ(33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34)
وأما قوله: (حِجارَةً مِنْ طِينٍ) فإن ابن عباس، رضي الله عنه، ذكر أنها آجرّ. والآجرّ: حجارة الطين، لأنه في صلابة الحجارة.
وقرأت في التّوراة بعد ذكر أنساب ولد نوح صلّى الله عليه وسلّم: أنهم تفرّقوا في كل أرض، وكانت الأرض لسانا واحدا، فلما ارتحلوا من المشرق وجدوا بقعة في الأرض اسمها (سعير) فحلّوا بها، ثم جعل الرجل منهم يقول لصاحبه: هلمّ فلنلبّن لبنا فنحرّقه بالنار فيكون اللّبن حجارة، ونبني مجدلا رأسه في السماء.
وذكر بعض من رأى هذه الحجارة أنها حمر مختّمة. وقال آخرون: مخطّطة، وذلك تسويمها، ولهذا ذهب قوم في تفسير (سجّيل) إلى سنك وكل. أي حجر وطين.
(وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)
يريد المؤمنين منهم. يدلك على ذلك قوله في موضع آخر: (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) [سورة الأعراف: 179] ، أي خلقنا.
(ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ ...(57)
أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم. وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) أي ما أريد أن يطعموا أحدا من خلقي.
وأصل هذا: أن البشر عباد الله وعياله فمن أطعم عيال رجل ورزقهم، فقد رزقه وأطعمه، إذ كان رزقهم عليه.
(فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ ...(59)
أي حظّا ونصيبا.
وأصل الذّنوب: الدّلو، وكانوا يستقون الماء، فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب، فاستعير في موضع النّصيب، وقال الشاعر:
إنّا إذا نازعنا شريب ... لنا ذنوب وله ذنوب
انتهى انتهى {تأويل مشكل القرآن، للدينوري} ...