(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) .
وقوله: وَأُزْلِفَتِ من الإزلاف بمعنى القرب، يقال: أزلفه إذا قربه، ومنه الزلفة والزلفى بمعنى القربة والمنزلة .. وهو معطوف على قوله - سبحانه - وَنُفِخَ فِي الصُّورِ.
وقوله: غَيْرَ بَعِيدٍ صفة لموصوف مذكر محذوف، ولذا قال غير بعيد ولم يقل غير بعيدة. أي: وأدنيت وقربت الجنة للمتقين في مكان غير بعيد منهم، فصاروا يرونها ويشاهدون ما فيها من خيرات لا يحيط بها الوصف.
وفائدة قوله: غَيْرَ بَعِيدٍ بعد قوله وَأُزْلِفَتِ للتأكيد والتقرير، كقولك: فلان قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل ..
قال الجمل ما ملخصه: فإن قيل: ما وجه التقريب مع أن الجنة مكان، والأمكنة يقرب منها وهي لا تقرب؟.
فالجواب: أن الجنة لا تنقل .. لكن الله - تعالى - يطوى المسافة التي بين المؤمن والجنة - حتى لكأنها حاضرة أمامه - وذلك من باب التكريم والتشريف للمؤمن.
واسم الإشارة في قوله: هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ يعود إلى الجنة التي قربت لهم .. والجملة على تقدير القول، أي: قربت الجنة ممن هم أهلها، ويقال لهم عند دخولها:
هذا الذي ترونه من نعيم، هو ما سبق أن وعد الله - تعالى - به كل أَوَّابٍ أي رجاع إليه بالتوبة حَفِيظٍ أي: حافظ لحدوده وأوامره ونواهيه بحيث لا يتجاوزها، وإنما ينفذها، ويقف عندها.
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ .. أي: من خاف مقام ربه دون أن يراه أو يطلع عليه، والجملة بدل أو عطف بيان من قوله: لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ وقوله: بِالْغَيْبِ متعلق بمحذوف حال من الرحمن، أي: خشيه وهو غائب عنه لا يراه ولا يشاهده.
وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ أي: وجاء ربه يوم القيامة بقلب راجع إليه، مخلص في طاعته، مقبل على عبادته ..
هؤلاء الذين يفعلون ذلك في دنياهم، يقال لهم يوم الحساب على سبيل التبشير والتكريم:
ادْخُلُوها بِسَلامٍ أي ادخلوا الجنة التي وعدكم الله إياها بسلام وأمان واطمئنان.
ذلِكَ اليوم وهو يوم الثواب والعطاء الجزيل من الله - تعالى - يَوْمُ الْخُلُودِ الذي لا انتهاء له، ولا موت بعده ..