(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
(ومما جاء في مفاضلة النطق والسكوت والمقال والسماع)
قال الراغب الأصفهاني:
(تفضيل النطق على السكوت)
قيل لزيد بن عليّ: الصمت خير من الكلام، فقال: لعن الله المساكتة فما أفسدها للسان وأجلبها للحصر، والله المماراة أسرع في هدم العيّ من النار إلى يبيس العرفج.
واختصم رجلان إلى سعيد بن المسيب في النطق والصمت فقال: بماذا أبين لكما ذلك؟ فقالا بالبيان فقال: إذ الفضل له.
وقيل لبعضهم: الصمت مفتاح السلامة، فقال ولكنّه قفل الفهم.
قال الشاعر:
خلق اللسان لنطقه وبيانه ... لا للسكوت وذاك حظّ الأخرس
فإذا جلست فكن مجيبا سائلا ... إنّ الكلام يزين ربّ المجلس
الحثّ على الإكثار من الكلام
قال حكيم: لولا سوء العادة لأمرت فتياني أن يماري بعضهم بعضا. وقال العتابي:
أقدر الناس على الكلام من عوّد لسانه الركض في ميادين الألفاظ. طول الصمت حبسة وترك الحركة عقلة.
وقال أبو عطاء:
أقلّبه كيلا يكلّ بحبسة ... وأبعثه في كلّ حقّ وباطل
تفضيل الصمت
قال النبي صلى الله عليه وسلم: رحم الله عبدا صمت فسلم، أو قال خيرا فغنم، فجعل الصمت أفضل لأن السلامة أصل والغنيمة فرع.
قال الشاعر:
أقلل كلامك واستعذ من شرّه ... إنّ البلاء ببعضه مقرون
وقال آخر:
مت بداء الصّمت خير ... لك من داء الكلام
تفضيل كل واحد منهما في أوانهما والتمدّح بهما
قيل لبعضهم: السكوت أفضل أم النطق؟ فقال: السكوت حتّى يحتاج إلى النطق، فإذا احتيج إلى النطق فالسكوت حرام.
وقيل ليونس بن حبيب: السكوت أفضل أم الكلام؟ فقال: السكوت عن الخنا أفضل من الكلام بالخطأ، وقيل: الضراط في أوانه خير من الكلام في غير زمانه.
قال الشاعر:
والصمت أزين بالفتى ... من منطق في غير حينه
وقيل: ربما كان الصمت أبلغ من الإبلاغ في النطق مع عدم إصابة الفرصة.
قال ابن الرومي:
ناهيك من صمت بلا عيّ به ... وكذاك من لسن بغير سفاه
ملكت سكينته عليه أمره ... فكأنه ساه وليس بساه
وقال ابن علقمة:
صموت في المجالس غير عيّ ... جدير حين ينطق بالصّواب
ذمّ الإكثار من الكلام
قيل: من أكثر أهجر. المكثار كحاطب الليل، من أطلق لسانه بكل ما يحبّ كان أكثر مقامه حيث لا يحبّ.
وقال الجريمي:
وخير حال الفتى في القول أقصدها ... بين السبيلين لا عيّ ولا هذر