(ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ(1)
قرأ ابن أبي إسحاق وأبو السمال:"قاف"بالخفض، وقرأ عيسى بن عمر:
"قاف"و"صاد"و"نون"بالنصب، وتأسيس خطاب هذه السورة على وصف الاقتدار
على الإحياء والإماتة، ثم العود بعد البدء والإرشاد إلى دلائل ذلك وآياته؛ ولزوم
المراقبة والحفظ، وذكر المصيرين بما في ذلك وما تبعه من الوعد على الإيمان
والوعيد على الكفر والتكذيب به، فقوله: (ق) إشارة إلى ما أعلمت به في ذكر
الأسماء، وإلى ما عبرت عنه في الوجود؛ فكأنه قال - عز من قائل، وهو أعلم بما
ينزل: وعد حق وقول صدق ورسول أمين ونبي كريم (وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ(1) .
ثم أضرب بحرف (بل ...(2) . عن ذكر حقائق ما عبر عنه بحرف القاف وما أقم
عليه، فقال: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ(2) .
قوله تعالى: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ...(4) . يعني ما تنقص أبدانهم
من الأرض لأكل التراب إياها، هذا وجه.
ووجه آخر: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) التي هي أبدانهم حال الحياة الدنيا؛
فإن الغذاء يتغدون به ويخلق الله عنه أجزاء لو تجمعت ولم تنقص لذهبت الأجسام
كل مذهب؛ لكن الله يخلق عن الغذاء أجزاء ويعدم أجزاء، فهو أبدًا يخلق ويعدم، فها
هو الآن يوجد ويعدم ويحيي ويميت، فما بالهم يكذبون بالرجعة بعد الذهاب
بالموت، أفلا يتفكروا في أنفسهم كما قال: (بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) .
(وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ(79) .
ووجه ثالث: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ) التي هي أجسامهم [يأكلها]
التراب كلها إلا عجْب الذنَب (مِنْهُمْ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كل ابن آدم يأكله"
التراب إلا عجْب الذنَب فإنه فيه ركب ومنه يعود"يقال لواحدها: عجب، ويجمع"
على عجوب، هو كالبزر لأجسام بني آدم، ثم قال: (وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ(4)
أي: يزم ما يوجده وما يعدمه.