قوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) سئل علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن هذه الآية فقال: (وَالذَّارِيَاتِ) هي الرياح، (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) هي السحاب، (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا) هن السفن، (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) هي الملائكة.
وعلى هذا خرج تأويل عامة أهل التأويل، إلا ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فإنه قال: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) هي الملائكة.
ثم يحتمل أن تصرف هذه الأحرف كلها من (وَالذَّارِيَاتِ) وغيرها إلى الرياح خاصة؛ فالذاريات من تذرى الأشياء ذروا (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) هن يحملن السحاب وغيره في الآفاق.
وجائز أن يصرف كل حرف من ذلك إلى نوع وجنس، على ما حمله أهل التأويل، وصرفوه إليه.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: ذرت الريح تذرو ذروا، ومنه قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) ، ومنه ذريت البر؛ لأن التذرية لا تكون إلا بالريح، وتذريت أي: أشرفت من الذروة، وذرى الرجل يذرى ذرى، فهو أذرى أي: أشمط، وشاة ذرا: إذا كان في ذنبها بياض.
(فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا) . أي: سهلا، أي: تجري السفن في الماء جريا سهلا.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ، أي: هينا.
ثم المقسمات أمرا هم الملائكة، واختلفوا في التقسيم:
قَالَ بَعْضُهُمْ: أربعة أملاك يقسمون الأمور؛ فجبريل - عليه السلام - ينزل في إنزال العذاب والشدائد، وميكائيل ينزل في إنزال النعمة والرخاء والرحمة، وإسرافيل في نفخ الصور، وملك الموت في قبض الأرواح؛ فكل واحد من هَؤُلَاءِ موكل في أمر على حدة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم الملائكة الذين ينزلون بالوحي، يأخذ هذا من هذا؛ إذ لله تعالى أن يرسل الوحي على يدي من يشاء من ملائكته، واللَّه أعلم.
ثم اختلف في ذكر هذه الأشياء من الرياح والسفن، والسحاب والملائكة، لماذا؟
قال عامة أهل التأويل: إنما ذكرها على القسم بها.