{وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) }
هذه الإيقاعات القصيرة السريعة، بتلك العبارات الغامضة الدلالة، تلقي في الحس - كما تقدم - إيحاء خاصاً، وتلقي ظلاً معيناً، يعلق القلب بأمر ذي بال، وشأن يستحق الانتباه. وقد احتاج غير واحد في العهد الأول أن يستفسر عن مدلول الذاريات، والحاملات، والجاريات، والمقسمات ..
قال ابن كثير في التفسير: قال شعبة بن الحجاج، عن سماك بن خالد بن عرعرة، أنه سمع علياً - رضي الله عنه - وشعبة أيضاً عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، أنه سمع علياً - رضي الله عنه - وثبت أيضاً من غير وجه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى ولا عن سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنبأتكم بذلك.
فقام ابن الكواء، فقال: يا أمير المؤمنين، ما معنى قوله تعالى: {والذاريات ذروا} ؟ قال علي - رضي الله عنه: الريح. قال: {فالحاملات وقرا} ؟ قال - رضي الله عنه: السحاب. قال: {فالجاريات يسرا} ؟ قال - رضي الله عنه: السفن. قال: {فالمقسمات أمرا} ؟ قال - رضي الله عنه: الملائكة.
وجاء صبيغ بن عسل التميمي إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فسأله عنها فأجابه بمثل ما روي عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وقد أحس عمر - رضي الله عنه - أنه يسأل عنها تعنتاً وعناداً فعاقبه ومنعه من مجالسة الناس حتى تاب وحلف بالأيمان المغلظة: ما يجد في نفسه مما يجد شيئاً .. وهذه الرواية تشي كذلك بأن غموض مدلولات هذه التعبيرات هو الذي جعل المتعنتين يستترون وراءها ويسألون عنها!
وهكذا فسرها ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد؛ ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك (كما قال ابن كثير) .