{فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) }
تفريع على ما تقدم كله من قوله: {إن عذاب ربك لواقع} [الطور: 7] لأنه تضمن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن تكذيب المكذبين والافتراء عليه، وعقب بهذا لأن من الناس مؤمنين به متيقنين أن الله أرسله مع ما أعد لكلا الفريقين فكان ما تضمنه ذلك يقتضي أن في استمرار التذكير حكمة أرادها الله، وهي ارعواء بعض المكذبين عن تكذيبهم وازدياد المصدقين توغلاً في إيمانهم، ففرع على ذلك أن أمر الله رسول صلى الله عليه وسلم بالدوام على التذكير.
فالأمر مستعمل في طلب الدوام مثل {يا أيها الذين آمنوا آمنوا باللَّه ورسوله} [النساء: 136] .
ولما كان أثر التذكير أَهمَّ بالنسبة إلى فريق المكذبين ليهتدي من شرح قلبه للإِيمان رُوعي ما يَزيد النبي صلى الله عليه وسلم ثباتاً على التذكير من تبرئته مما يواجهونه من قولهم له: هو كاهن أو هو مجنون، فربط الله جَأش رسوله صلى الله عليه وسلم وأعلمه بأن براءته من ذلك نعمة أنعم بها عليه ربه تعالى ففرع هذا الخبر على الأمر بالتذكير بقوله: {فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون} .
والباء في {بنعمت ربك} للملابسة وهي في موضع الحال من ضمير {أنت} .
ونفي هاذين الوصفين عنه في خطاب أمثاله ممن يستحق الوصف بصفات الكمال يدل على أن المراد من النفي غرض آخر وهو هنا إبطال نسبة من نسبه إلى ذلك كما في قوله تعالى: {وما صاحبكم بمجنون} [التكوير: 22] ، ولذلك حسن تعقيبه بقوله: {أم يقولون شاعر} [الطور: 30] مصرحاً فيه ببعض أقوالهم، فعلم أن المنفي عنه فيما قبله مقالة من مقالهم.
وقد اشتملت هاته الكلمة الطيبة على خصائص تناسب تعظيم من وجهت إليه وهي أنها صيغت في نظم الجملة الاسمية فقيل فيها"ما أنت بكاهن"دون: فلست بكاهن، لتدل على ثبات مضمون هذا الخبر.