[من روائع الأبحاث]
(فصل: في رؤيته - صلى الله عليه وسلم - لربّه)
قال القاضي عياض:
وَأَمَّا رُؤْيَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهَا، فَأَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ رضي الله عنها ..
عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ .. هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ ..
فَقَالَتْ: «لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي مِمَّا قُلْتَ .. ثَلَاثٌ مِنْ حَدَّثَكَ بِهِنَّ فَقَدْ كَذَبَ.
مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ ثم قرأت: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارِ .. » الآية وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ بِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا رَأَى جِبْرِيلَ».
وَاخْتُلِفَ عَنْهُ وَقَالَ بِإِنْكَارِ هَذَا وَامْتِنَاعِ رُؤْيَتِهِ فِي الدُّنْيَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ» .
وَرَوَى عَطَاءٌ عَنْهُ: «أَنَّهُ رَآهُ بِقَلْبِهِ» .
وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْهُ: رآه بفؤاده مرتين».
وذكر ابن إسحاق: أن ابن عمر أرسل إلى ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَسْأَلُهُ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ.
فَقَالَ: نَعَمْ ..
وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ: أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنِهِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مَنْ طُرُقٍ.
وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَصَّ مُوسَى بِالْكَلَامِ، وَإِبْرَاهِيمَ بِالْخِلَّةِ، وَمُحَمَّدًا بِالرُّؤْيَةِ.
وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى، أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى» .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قِيلَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ كَلَامَهُ وَرُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ وَكَلَّمَهُ مُوسَى مَرَّتَيْنِ» .
وَحَكَى أَبُو الْفَتْحِ الرَّازِيُّ، وَأَبُو اللَّيْثِ السمرقندي الْحِكَايَةَ عَنْ كَعْبٍ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: