ومن لطائف ونكات معاني القرآن وإعرابه للزجاج:
سُورَةُ النَّجْمِ
(فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى(9)
المعنى كان ما بينه وبين رسول اللَّه مقدار قوسين مِنَ القَسِيِّ العربيةِ أو أقرب.
وهذا الموضع يحتاج إلى شرح لأن القائل قد يقول: ليس تَخْلُو"أو"من أن تكون للشك أو لغير الشك.
فإن كانت للشك فمحال أن يكون موضع شك.
وإن كان معناها بل أدنى، بل أقْرَبُ فما كانت الحاجة إلى أن يقول: (فكان قاب قَوْسَيْن) - كان ينبغي أن يكون كان أدنى من قاب قَوسَينْ.
والجواب في هذا - والله أعلم - أن العباد خوطبوا على لغتهم ومقدار
فهمهم وقيل لهم في هذا ما يقال للذي يحزر (1) ، فالمعنى فكان على ما تُقَدرونَه أنتم قدر قوسين أو أدنى من ذلك، كما تقول في الذي تقدره: هذا قدر رُمْحَينِ أو أنقص من رُمْحَين أو أرجح.
وقد مرَّ مثل هذا في قوله: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) .
(أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى(35)
معناه فهو يعلم والرؤية على ضربين:
أحَدُهُمَا"رَأيتُ"أبصَرتُ والآخر عَلِمْتُ، كما تقول: رأيت زيداً أخاكَ وَصَدِيقَكَ مَعْنَاهُ عَلِمْتُ.
ألا تَرَى أن المَكفُوفَ يقول: رأيت زيداً عَاقِلًا، فلو كان من رؤية العَيْنِ لم يجز.
(وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى(40)
إن قَالَ قَائِلٌ: إن الله عزَّ وجلَّ يَرَى عَمَلَ كل عَامِلٍ ويعلمه، فما معنى (سَوْفَ يُرَى) ؟
فالمعنى أنه يرى العَبْدُ سَعْيَه يوم القيامَةِ، أي يرى في مِيزَانه عَمَلَه. انتهى انتهى {معاني القرآن وإعرابه، للزجاج} ...
(1) الحَزَّاءُ والحازي الذي يَحْزُرُ الأَشياء ويقَدِّرُها بظنه. (انظر اللسان. 14/ 174) .