(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
فأمّا قوله: {وَالنَّجْمِ إِذا هَوى} فليس بخبر عن باطل لرؤيتنا النّجم غير هاو ورؤية ذلك وقت مبعث النبي صلّى الله عليه، لأنّه قد قيل إنّ النجوم قرب مبعث النبي صلّى الله عليه كثر انقضاضها وراع ذلك قريشا والعرب، وسألوا بعض الكهّان عن ذلك فقال: {إن كانت النجوم العوامل تنقض فهي القيامة، يعني البروج الاثنا عشر والطوالع السبعة، وإن لم تكن هي فيسظهر أمر عظيم، فظهر بعث النبي صلّى الله عليه وآياته، فلمّا كذّبت قريش قال الله سبحانه: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى}
أي: هو الذي دلّ انقضاض النجوم على أمره، فلا إحالة في هذا ولا اختلاف.
{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) }
فأمّا قول الله تعالى: {ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} فليس بعتاب للنبيّ صلّى الله عليه والله أعلم، ولا لوم منه له على ذلك لخطأ كان منه في أخذ الفداء، لأنّ الناس في أخذه الفداء وقتل من قتل، ومنّه على من أطلق على أقاويل.
فمنهم من يقول كان قد نصّ له عليه السلام على التخيير بين القتل أو المنّ أو أخذ الفداء، والقائلون بهذا لا يسوّغ لهم القول بأنّه لم يكن له أخذ الفداء مع نصّه له عليه ومنهم من يقول لم يكن عنده نصّ في ذلك وإنّما فعله باجتهاده وعضّده مشورة أبي بكر ومن كان على مثل رأيه في المنّ وأخذ الفداء وهؤلاء على قسمين.
فمنهم من يقول إنّ الرسول لا يجوز عليه الخطأ في الاجتهاد، فكيف لا يكون له فعل ما أدّاه إليه الاجتهاد، وهو فرضه وصواب مقطوع عليه إذا فعله، ومنهم من يقول يجوز على النبيّ صلّى الله عليه الخطأ في الاجتهاد غير أنّ المأثم عنه في ذلك موضوع، وفرضه الحكم بما أدّاه إليه الاجتهاد، ولا يجوز لقائل هذا أن يقول: إن لم يكن للنبي عليه السلام أخذ الفداء ممّن رأى أخذه منه، مع قوله: إنّ ذلك فرضه عليه السلام إذا رآه، وكان جهد ما عنده لأنّ ذلك تناقض من القول لا شبهة فيه على أحد، فعلم أنّه لا عتب على النبيّ عليه السلام في ذلك إن كان منصوصا له على جواز ما فعله والتخيير له بينه وبين غيره، أو كان ذلك بقياسه وجهد رأيه وإذا كان ذلك علم أنّه ليس التأويل في الآية على ما توهّموه.