[من روائع الأبحاث]
(فصل: فِي التفسير الموضوعي للسورة كاملة)
قال الشيخ محمد الغزالي:
سورة النجم
للعلم الإنسانى مصادر معروفة، أولها العقل ثم الحواس الخمس. وهناك مصدر ثالث اختص به بعض الناس وهو الوحي الصادق. أشار إليه يعقوب عندما قال لأبنائه:"وأعلم من الله ما لا تعلمون". ومن تلقى شيئا من العليم بكل شيء، فقد اكتسب علما لا ريب فيه! والله لا يهب من علمه لكل إنسان. فالناس معادن، ولا يحمل الوحي إلا عباد مصطفون، عباد لهم طباع سماوية تأنف من الإسفاف والافتراء، تأفل النجوم وهم لا يأفلون وتغرب وهم لا يغربون! ومحمد من هؤلاء أو قل: هو إمام هؤلاء! وسورة النجم تصف كيف تلقى الوحي فتقول"والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى * ذو مرة ...". لقد سبق أن نودى موسى من شاطى الوادى الأيمن فِي البقعة المباركة من الشجرة، ليكون راعيا للناس بعدما رعى الغنم سنين عددا. وهاهو ذا كبير الأنبياء الذي اعتزل الناس فِي غار حراء يجيئه الملك فِي صورته المهيبة ليبدأ مشوار الدعوة الكبرى."ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى"؟ والوحي المحمدى أساسه الحقيقة التي غابت عن كثيرين وحرمت من معرفتها أجيال."إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى". وهناك أديان أرضية وأخرى سماوية غام أفقها وانتشر فيه دخان من الأوهام والأباطيل، فشاع حديث عن الله لا يليق، واصطدم العلم والدين، وهما حقيقة واحدة. وكم من متدين ظلم الوحي بأهوائه"وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا". إن الدين علم مقطوع به والوحي حصانة للعقل وضمانة لأحكامه، وما خالف العقل لا يكون دينا، ولبعض الناس مرويات لا سناد لها يجعلونها دينا وماهى بدين.