{يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْراً}
الحديث هنا عن يوم القيامة، وفيه تمور السماء موراً، فهذه السماء وهذا السقف المرفوع المحفوظ، وهذا البناء المحكم الذي قال الله فيه
{وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ .. } [الذاريات: 47] أي: بقوة وإحكام، وقال:
{وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} [النبأ: 12] .
هذه السماء تمور يعني: تتحرك وتضطرب أو تتقطع، كما يحدث للقماش القديم المهترئ، وفي موضع آخر عبَّر عن هذا المعنى بقوله سبحانه:
{يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَالْمُهْلِ} [المعارج: 8] .
وهذا يعني أن بناء السماء تهدَّم وتفككتْ أوصاله كما تهدَّم كل شيء في الكون، حيث لم يَعُدْ لها مهمة، فمهمة السماء في الدنيا أنها كانت من أسباب الحياة الدنيا.
أما في الآخرة فلا حاجة للأسباب، لأننا هناك نعيش بالمسبِّب سبحانه، لا حاجة لنا في هذه الأسباب التي نحيا بها.
لذلك يقول سبحانه في هذا اليوم:
{وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا .. } [الزمر: 69] يعني: لسنا في حاجة إلى الشمس، لأننا نستضيء بنور ربِّ الشمس ومسبِّبها سبحانه.
وقوله تعالى: {وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً} [الطور: 10] كما قال:
{وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} [التكوير: 3] هذه الرواسي الثابتة كالأوتاد على ضخامتها تسير وتتحرك، ثم تتفتتْ وتتناثر.
قال سبحانه:
{وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} [المعارج: 9] أي: الصوف المندوف المتناثر، نعم فلم يَعُدْ لها مهمة، كانت مهمتها تثبيت الأرض، والآن تهدَّم كلُّ هذا النظام وتفكك.
{فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [الطور: 11] ويل لهم، لأنهم أخذوا بالأسباب وانتفعوا بها ونسوا المسبب، فها هي الأسباب تفنى ولم يَبْقَ إلا مُسبِّبها الله الذي كفرتم به وكذَّبتم رسله، والآن لا يأخذ خير المسبب إلا من آمن به وصدق رسله ساعة بقاء الأسباب.
لذلك نقول: إياك أنْ تغترَّ بالأسباب مهما طاوعتك ومهما أعطتْك، واعلم أن وراء الأسباب مُسبِّبها.
تذكرون أن باكستان في فترة من الفترات خططتْ لزراعة مساحات واسعة من القمح، وجاءت دراسة الجدوى تُبشِّرهم بالاكتفاء الذاتي ثم التصدير حتى لأمريكا، وفعلاً زرعوا الفمح حتى قارب على الاستواء، فنزلتْ عليه آفة أفسدته، وفي هذا العام استوردوا القمح لأنهم اعتمدوا على الأسباب ونسُوا المسبِّب سبحانه.
أيضاً في قصة قارون: