{أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}
الحق سبحانه وتعالى يسوق لهم البراهين العقلية التي تثبت صدق رسوله في البلاغ عن الله، ويتعجب من فعلهم، وكيف يكفرون بالله ويعاندون دعوة رسوله.
لذلك يسأل: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ .. } [الطور: 35] كيف والخَلق إيجاد من عدم، فهل جاءوا إلى الكون هكذا دون خالق؟ والعقل يقول: إنه لا يمكن أنْ يوجد شيء إلا بموجد حتى في أتفه الأشياء.
في هذا الكوب الذي نشرب فيه الآن كوب كريستال شفاف بعد أنْ كنَّا نشرب في الصاج أو الفخار، هل يعقل أن نقول إن هذا الكوب وُجِد هكذا بدون مُوجد؟ إذن: لابد لهذا الخَلْق من خالق.
ثم ينتقل إلى جزئية أخرى في مسألة الخلق: {أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35] أي: الخالقون لهذا الخَلْق، وفي موضع آخر قال تعالى:
{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ .. } [الزخرف: 87] .
نعم لا يستطيعون أنْ يقولوا غير هذا، لأن الإنسان طرأ على كون بديع فيه شمس وقمر ونجوم وأرض وماء وهواء وسماء وجبال، فكيف يقول: أنا الذي خلقته وهو أقدم منه، ولا يستطيع أنْ يقول خلقتُ نفسي، ولو قالها فمن الذي خلق أباك وسلسلها إلى أن تصل إلى آدم عليه السلام.
إذن: هذا التسلسل المنطقي لا بدَّ أنْ يصل بنا إلى خالق خلق ولم يُخلق، هو الحق سبحانه وتعالى.
لذلك قال بعدها: {أَمْ خَلَقُواْ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ} [الطور: 36] فإذا لم يستطيعوا خَلْق أنفسهم فهم من باب أَوْلى ما خلقوا السماوات والأرض.
وسبق أن قلنا: إن مسألة الخَلْق هذه لم يدَّعها أحد لنفسه، والقضية تسلم لمن ادعاها إلى أنْ يظهر له معارض، ولم يقُلْ أحد أنه خلق السماوات والأرض.
{أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ}
يعني: أهُمْ يملكون خزائن الأرزاق، فيرزقون مَنْ يريدون، ويحرمون مَنْ يريدون، أو يملكون خزائن الرحمة فيرحمون مَنْ يريدون {أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} [الطور: 37] أصحاب السلطة والسيطرة والأمر والنهي والغلبة.
والجواب: لا هذه ولا هذه، لأن الله تعالى فقط أمسك عنهم المطر فجاعوا، حتى أكلوا أوراق الشجر العلهز، وهو الدم المخلوط بالوبر، ثم ذهبوا يستسقون بعم النبي صلى الله عليه وسلم.