(فصل)
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
(فصل في سدرة المنتهى التي يسير الراكب في ظلّها مئة عام لا يقطعها)
قال الجوهري: السِّدر شجر النَّبْق، الواحدة: سِدرة.
واختلفوا لم سمِّيت بهذا الاسم على أقوال:
أحدها: لأنّه ينتهي إليها أعمال بني آدم التي تعرج بها الكتبة إلى السماء ثم تُقبض منها، وإليها ينتهي ما يقبض من فوقها فينقبض منها، قاله كعب الأحبار، وذكر أنه في التوراة.
كذلك فإنَّ العوفي روى عن ابن عباس قال: سألت كعبًا عن سدرة المنتهى، فقال: هي سدرة في أصل العرش، إليها ينتهي عمل الخلائق فترفع منها، تعرج به الملائكة إليها فتقف عندها، ثم ينزل إليها أمر الله تعالى.
وبه قال ابن مسعود وابن عبَّاس وجماعة من الصحابة.
والثاني: أنه ينتهي إليها علم كل عالم، قاله مقاتل.
والثالث: أن كل شيء من أوامر الله تعالى يصل إليها فينتهي عندها، ولا يعدوها شيء، قاله الربيع بن أنس.
والرابع: لأنَّ الملائكة المقرَّبين تنتهي إليها، فلا يتجاسرون أن يتجاوزوها من مخافة الله تعالى، قاله الضحاك.
والخامس: لأنه ينتهي إليها ما يعرج من أرواح المؤمنين، حكاه سفيان الثوري.
واختلفوا في أيِّ سماء هي على أقوال:
أحدها: في السماء السادسة، قاله ابن مسعود.
والثاني: في السماء السابعة، وقد ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - في المتفق عليه من حديث المعراج أنها فيها.
والثالث: أنها بعد السماء السابعة، قاله أبو هريرة، قال: وقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم:"رَأيتُها بعد السَّماءِ السابعةِ، فقيل لي: هذِه سِدرَة المُنتَهى، فإذا شَجَرة يخرجُ من أصلِها أربعةُ أنهارٍ: نهرٌ من ماءٍ غيرِ آسِنٍ، ونهر من لَبَنٍ، ونهرٌ من عَسَل مُصفَّى، ونهرٌ من الكافُورِ، والورقةُ منها تُغطِّي أُمَّة مِن الأُمَمِ".
وقال البخاري بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ في الجنَّة شجرةً يسيرُ الرَّاكبُ في ظِلِّها مئةَ عامٍ لا يَقطَعُها، واقرَأوا إن شئتم {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) } [الواقعة: 30] متفق عليه، ورواه أبو سعيد وأبو هريرة."
وقال ابن عباس: ليس في الجنة قصر ولا بيت إلا وفيه غصن من أغصانها.
وسئل علي - رضي الله عنه - عنها فقال: هي كالشمس في الدنيا.
وسمَّاها عبد الله بن سَلام: شجرة طوبى، قال: وكذا هي في التوراة. وفي القرآن {طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد: 29] .