قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى(33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34)
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أفرأيت الذي تولى كبراء الكفرة وعظماءهم، وأعطى قليلا من المال لضعفة أهل الإيمان؛ ليرجعوا عن الإيمان بمُحَمَّد والتصديق له، ويكذبوا عليه.
وقوله: (وَأَكْدَى) . أي: قطع عنهم في وقت أيضًا.
وكذا قَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَأَكْدَى) . أي: قطع، وهو من كدية الركيَّة، وهي الصلابة فيها إذا بلغها الحافر يئس من حفرها؛ فقطع الحفر.
وقيل لكل من طلب شيئًا فلم يبلغ، أو أعطى فلم يتمم: أكدى.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: أكدى: بخل، ورجل مكدٍ: بخيل.
وقوله: (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى(35)
فهو - واللَّه أعلم: أعنده علم الغيب؛ فيأمر بتكذيب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويأذن له بالتولي عنه، وإعطاء المال على التكذيب له؛ أي: ليس عنده علم الغيب؛ لأنهم قوم لا يؤمنون بالرسل والكتب، وأسباب العلم هذا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى(36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) كأن هذا مقطوع من الأول؛ كان أُولَئِكَ الكفرة يقولون لأتباعهم: إنا نتحمل عنكم الظلم والوزر؛ فلا تأتوا محمدًا ولا تصدقوه؛ كقوله - تعالى - حكاية عنهم: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) ، فقال عند ذلك: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى(36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)، أي: قد بينا في صحفهما: ألا تزر وازرة وزر أخرى.
ولحيل: إنما سمي: وفيًّا؛ لأنه بلغ ما أمر بتبليغه.