قوله تعالى: {أفرأيتم}
مخاطبة لقريش، وهي من رؤية العين، لأنه أحال على أجرام مرئية، ولو كانت: أرأيت: التي هي استفتاء لم تتعد. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وقدرته، قال على جهة التوقيف: أرأيتم هذه الأوثان وحقارتها وبعدها عن هذه القدرة والصفات العلية و: {اللات} اسم صنم كانت العرب تعظمه، قال أبو عبيدة وغيره: كان في الكعبة، وقال قتادة: كان بالطائف. وقال ابن زيد: كان بنخلة عند سوق عكاظ، وقول قتادة أرجح يؤيده قول الشاعر: [المتقارب]
وفرّت ثقيف إلى لاتها ... بمنقلب الخائب الخاسر
والتاء في: {اللات} لام فعل كالباء من باب، وقال قوم هي تاء تأنيث، والتصريف يأبى ذلك، وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح:"اللاّت"بشد التاء، وقالوا: كان هذا الصنم حجراً وكان عنده رجل من بهز يلت سويق الحاج على ذلك الحجر ويخدم الأصنام، فلما مات عبدوا الحجر الذي كان عنده إجلالاً لذلكا لرجل وسموه باسمه، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير وابن عامر، {والعزى} : صخرة بيضاء كانت العرب تعبدها وتعظمها، قاله سعيد بن جبير وقال ابن مجاهد: كانت شجيرات تعبد ثم ببلاها انتقل أمرها إلى صخرة. و"عزى"مؤنثة عزيز ككبرى وعظمى، وكانت هذه الأوثان تعظم الوثن منها قبيلة وتعبدها، ويجيء كل من عز من العرب فيعظمها بتعظيم حاضرها. وقال أبو عبيدة معمر: كانت {العزى} {ومناة} في الكعبة، وقال ابن زيد: وكانت {العزى} بالطائف، وقال قتادة: كانت بنخلة وأما {مناة} فكانت بالمشلل من قديد، وذلك بين مكة والمدينة، وكانت أعظم هذه الأوثان قدراً وأكثرها عابداً، وكانت الأوس والخزرج تهل لها، ولذلك قال تعالى: {الثالثة الأخرى} فأكدها بهاتين الصفتين، كما تقول رأيت فلاناً وفلاناً ثم تذكر ثالثاً أجل منهما، فتقول وفلاناً الآخر الذي من أمره وشأنه.