ومن لطائف ونكات تفسير الماوردي:
سورة النجم
{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى}
فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن الذي يغشاها فراش من ذهب , قاله ابن مسعود ورواه مرفوعاً.
الثاني: أنهم الملائكة , قاله ابن عباس.
الثالث: أنه نور رب العزة , قاله الضحاك.
«فإن قيل» : لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر؟
قيل: لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولاً وعملاً ونية، فظلها بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لظهوره.
{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}
في زيغ البصر ثلاثة أوجه؛
أحدها: انحرافه.
الثاني: ذهابه، قاله ابن عباس.
الثالث: نقصانه، قاله ابن بحر. وفي طغيانه ثلاثة أوجه:
أحدها: ارتفاعه عن الحق.
الثاني: تجاوزه للحق، قاله ابن عباس.
لثالث: زيادته , ويكون معنى الكلام أنه رأى ذلك على حقه وصدقه من غير نقصان عجز عن إدراكه , ولا زيادة توهمها في تخليه , قاله ابن بحر.
{لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}
فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: ما غشي السدرة من فراش الذهب , قاله ابن مسعود.
الثاني: أنه قد رأى جبريل وقد سد الأفق بأجنحته , قاله ابن مسعود أيضاً.
الثالث: ما رأه حين نامت عيناه ونظر بفؤاده , قاله الضحاك.
{وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأَخْرَى}
فيه أربعة أقاويل:
أحدها: أنه كان صنماً بقديد بين مكة والمدينة، قاله أبو صالح.
الثاني: أنه بيت كان بالمسلك يعبده بنو كعب.
الثالث: أنها أصنام من حجارة كانت في الكعبة يعبدونها.
الرابع: أنه وثن كانوا يريقون عنده الدماء يتقربون بذلك إليه، وبذلك سميت منى لكثرة ما يراق بها من الدماء. وإنما قال: مناة الثالثة الأخرى , لأنها كانت مرتبة عند المشركين في التعظيم بعد اللات والعزى
{وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى}
وإنما ذكر أنه رب الشعرى وإن كان رباً لغيره لأن العرب كانت تعبده فأعلموا أن الشعرى مربوب وليس برب.
واختلف فيمن كان يعبده فقال السدي: كانت تعبده حمير وخزاعة وقال غيره: أول من عبده أبو كبشة , وقد كان من لا يعبدها من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم , قال الشاعر:
(مضى أيلول وارتفع الحرور ... وأخبت نارها الشعرى العبور)
انتهى انتهى {النكت والعيون، للماوردي} ...